في عالمٍ يفترض فيه أن نعيش طفولة بريئة قوامها اللعب والتعلم، تبرز الثورة المعلوماتية كقوةٍ غازيةٍ تكتسح عقول الصغار عبر بوابات الألعاب الإلكترونية، فتجذبهم إلى دهاليزها وتستحوذ على وعيهم. وبرغم تصنيف هذه الألعاب كوسائل ترفيهية، فإنها تتحول إلى معضلة حقيقية حين تفرط في الحضور، لتصبح هي المحور والغاية، متجاوزةً حدود التسلية العابرة.
تبدأ رحلة الإدمان غالبًا من قلب المنزل؛ فبسبب ضغوط الحياة المتصاعدة، قد تلجأ الأم إلى منح طفلها "الموبايل" لتتمكن من إنجاز مهامها أو تلبية مسئولياتها المنزلية، غافلةً عن أنها تضع بيدها اللبنة الأولى في صرح الإدمان الذي سيغرق فيه أبناؤها لاحقًا.
تكمن جاذبية هذه الألعاب في قدرتها على منح الطفل "سلطةً" يفتقدها في واقعه؛ فهي توفر له عالمًا افتراضيًا يتحكم في مفاصله، هربًا من واقعٍ قد يكون مثقلاً بالخلافات الأسرية، أو مثبطًا بالنقد والتهكم الذي يزعزع ثقته بنفسه. وحين يشعر الطفل بالفشل في الواقع ويحقق "انتصارات" وهمية خلف الشاشة، فإنه يلتصق بهذا العالم الذي يؤمن له النجاح والهروب من أرق الواقع.
تبدأ ملامح الاعتياد بساعةٍ ثم ساعتين، ليتسلل السلوك إلى منطقة "العادة" القهرية. ومع تزايد ضغوط الواقع، يتوهم الطفل أن هذه الشاشات هي ملاذه الآمن من القلق والوحدة، باحثًا فيها عن "التقدير الذاتي" الذي تمنحه له الألعاب المصممة بدقة لتحفيز "الدوبامين" (هرمون المتعة) في الدماغ، مما يدفعه لطلب المزيد دومًا في دائرة مفرغة لا تنتهي.
هذا التعلق ليس مجرد تسلية، بل هو تعويضٌ عن نقصٍ وحرمانٍ عاطفي في العلاقات الواقعية؛ إذ تبدأ رحلة الانعزال الاجتماعي بفقدان المتعة في الجلسات الأسرية، والانكفاء على الذات لساعات طوال تضيع فيها الدراسة والنوم والطعام، وتتبدد معها القدرة على السيطرة على الوقت.
وتتجلى أعراض هذا الإدمان في توترٍ دائم، وتشتتٍ في الانتباه، وعدم تحمل المسئولية، واللامبالاة تجاه الآخرين، وصولاً إلى اضطرابات جسمانية كالصداع المزمن واختلال الساعة البيولوجية؛ مما قد يؤدي لإصابة المراهقين بالاكتئاب (Depression) واضطرابات النوم الحادة.
أيها الآباء، إن حماية أبنائنا تتطلب وقفةً شجاعةً مع الذات. نحن لا ننكر الجوانب الإيجابية للتكنولوجيا، فهي تنمي مهارات حل المشكلات والتوافق الحركي، ولكن دورنا يكمن في "الترشيد" والموازنة بين العالم الرقمي والواجبات الحياتية والأنشطة الاجتماعية.
كونوا قدوةً لأبنائكم؛ فالطفل يحاكي قبل أن يسمع، ازرعوا فيهم القيم الدينية والأخلاقية لتعزيز الانتماء، وراقبوا محتوى ما يشاهدون؛ فبعض الألعاب تبث رسائل مشوهة تستهدف عقائدنا وتقاليدنا في حربٍ خفية تصطاد "فلذات أكبادنا" خلف أقنعة جذابة.
حددوا أوقاتًا صارمة للعب، وأبعدوا أجهزة الكمبيوتر عن غرف النوم لتسهيل المتابعة. إن الوعي بالمخاطر النفسية والفسيولوجية، ودعم الأبناء بالحوار الهادف والاحتواء العاطفي والحافز المعنوي، هو السبيل الوحيد لتنشئة جيلٍ واعٍ يمتلك التكنولوجيا ولا تملكه.