بقلم فضيلة أ. د. نظير محمد عياد
موضوعات مقترحة
مفتي الجمهورية
ليس الابتلاء في حياة الإنسان حادثًا عابرًا يجري في مجرى الأقدار بلا حكمة، بل هو سنّةٌ إلهية جارية في حياة البشر، بها تُمحَّص القلوب، وتُختبر النفوس، ولا يزال الصبر في ساحة البلاء دعوى يبرهن على صدقها الصادقون ويخسر في ميدانها المدَّعون، فالإنسان في أوقات الرخاء قد يركن إلى الدَّعَةِ متوهمًا أن طريق الإيمان سهلٌ ميسور لا تعترضه العوائق، وأن مجرد إعلان الإيمان يكفي ليبلغ صاحبه مراتب اليقين ودرجات الثبات، غير أن سنَّة الله في خلقه تقضي بأن يكون الإيمان تجربةً حيَّة بأنْ يُختبر معدنه في أتون الحياة ومعتركها، وأن تُصقل النفوس في تَنُّورِ الشدائد، حتى يظهر صدق الإيمان عند تقلب الأحوال وتبدُّل الظروف، وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة تعبيرًا بليغًا حين قال تعالى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)، في إشارةٍ واضحة إلى أن الإيمان ليس دعوى تُعلنها الألسنة، بل حقيقةٌ تُبرهن عليها المواقف، وتُثبتها التجارب، وتكشف صدقها لحظات الابتلاء، وإذا كان الابتلاء في ظاهره محنةً تثقل النفس، فإن في باطنه من الحكم الإلهية ما يجعله مدرسةً تربويةً كبرى يتربى فيها الإنسان على معاني الصبر والثبات والرضا بقضاء الله؛ ففي لحظات الشدة تنكشف معادن النفوس، ويتبين مدى تعلق القلب بربه، إذ يدرك المؤمن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسلِّم أمره لله، ويرضى بحكمه، ويوقن أن وراء كل قدرٍ حكمةً بالغةً ورحمةً خفية، ومن هنا كان البلاء وسيلةً ربانية لتزكية النفوس وتهذيب الأرواح، يرفع الله به درجات عباده، ويكفِّر به عنهم سيئاتهم، ويعيد به توجيه قلوبهم إلى ما هو خير وأبقى،
ولقد ضرب الأنبياء عليهم السلام أروع الأمثلة في الصبر على الابتلاء، فكانوا الأنموذج الأكمل في الثبات واليقين؛ فقد ابتُلي نبي الله أيوب عليه السلام في صحته وماله وأهله ابتلاءً عظيمًا، ومع ذلك لم يزدد قلبه إلا تعلقًا بالله، ولم يزده البلاء إلا صبرًا وتسليمًا، حتى صار صبره مضرب المثل في تاريخ الإيمان، وكذلك ابتُلي نبي الله يوسف عليه السلام بالغربة والسجن والظلم، غير أن تلك المحن لم تكن نهاية الطريق في حياته، بل كانت تمهيدًا لمرحلةٍ من التمكين والرفعة، حتى صار بعد البلاء عزيز مصر وصاحب المكانة الرفيعة والكلمة المسموعة، وهكذا يعلمنا تاريخ الأنبياء أن الابتلاء ليس علامة خذلانٍ ولا دليل ضعف، بل قد يكون بابًا من أبواب الاصطفاء، وطريقًا إلى التمكين بعد الصبر.
وإذا كان الناس غالبًا ما ينظرون إلى الابتلاء بوصفه مقصورًا على المصائب والشدائد، فإن الحقيقة القرآنية تكشف أن الابتلاء أوسع من ذلك؛ فهو يشمل الشدة كما يشمل الرخاء، وينطبق على السراء انطباقه على الضراء، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: 35)، فالغنى والفقر كلاهما ابتلاء، والقوة والضعف كذلك ابتلاء، والمنع والعطاء، كل ذلك يكشف حقيقة موقف الإنسان من ربه أهو موقف الشاكر الراضي الذي يرى النعمة فضلًا من الله فيزداد بها تواضعًا وطاعة، أم موقف الغافل الذي تلهيه النعم عن المنعِم فيقع في دائرة الغرور والنكران أو يسقط في أغلال الغفلة والنسيان،
ومن هنا، فإن الفهم العميق لمعنى الابتلاء يغيّر نظرة الإنسان إلى كثيرٍ من أحداث الحياة وتقلباتها؛ إذ يدرك أن ما يمر به من صعوبات وآلام ليس عبثًا يجري بلا غاية، وإنما هو جزءٌ من التربية الإلهية التي تصوغ شخصية الإنسان، وتطهِّر قلبه من أدران الغفلة، وتعيد توجيه بوصلة حياته نحو الله، فالشدائد كثيرًا ما تكون سببًا في يقظة القلب بعد طول الذهول والنسيان، وفي عودة الإنسان إلى ربه بعد انشغالٍ بزخارف الدنيا ومتاعها الزائل،
وإذا كان الابتلاء مدرسةً للإيمان، فإن أعظم ثمراته صفاء الروح وقوة الصلة بالله فالمؤمن حين يخرج من تجربة البلاء وهو أكثر يقينًا بربه، وأشد تعلقًا به، وأعمق إدراكًا لحكمة الله في تدبير الأمور، يكون قد أدرك المعنى الحقيقي الكامن وراء تلك التجربة، وحينئذٍ يتكشف له أن البلاء لم يكن حرمانًا، بل كان عطاءً خفيًّا، وأن الألم لم يكن عقوبةً، بل كان طريقًا إلى تطهير القلب ورفعة الدرجات، وهكذا يتبين أن الابتلاء في حياة الإنسان ليس مجرد محنةٍ عابرة تُثقل كاهله، بل هو في حقيقته منحةٌ ربانية تحمل في طياتها دروس الإيمان ومعاني التزكية؛ فمن وعى هذه الحقيقة استقبل البلاء بقلبٍ مطمئن، ونفسٍ راضية، ورأى في كل محنةٍ بابًا من أبواب القرب من الله، وفي كل تجربةٍ فرصةً جديدةً لنقاء الروح وسمو الإيمان، حتى تتحول الشدائد في حياته إلى جسورٍ تعبر به نحو مزيدٍ من اليقين والثبات.
وللحديث بقية.....