لن يسرقوا الهلال

4-3-2026 | 12:22

بينما تمتد الأيادي في بيوتنا الآمنة لتتحسس حبات التمر مع انطلاق صوت الأذان، وفي تلك اللحظة التي يخيم فيها السكون مع رشفة الماء الأولى، تنفجر الشاشات بخبر عاجل يقطع نياط القلوب، ويبدد طمأنينة الصائمين. 

نحن نعيش في مارس 2026، في شهر رمضان الذي جعل للسكينة، لكنه استحال ميدانًا لـ"بلطجة" دولية تقودها الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل، تضرب عرض الحائط بكل المحرمات، وتستهدف الروح قبل الجسد. 

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو محاولة ممنهجة لكسر إرادة أمة بأكملها في أقدس أوقاتها.
 
ما شهدته إيران في الأيام القليلة الماضية ليس مجرد خبر سياسي، بل هو فاجعة إنسانية كبرى؛ والأنباء صادمة تتوارد بعد اغتيال الرمز الديني للدولة "علي خامنئي" في هجوم صاروخي غادر، لم يفرق بين خصم سياسي وطفل بريء، حيث راح ضحية الهجوم ابنته وحفيدته في مشهد يثبت أن "أخلاقيات الحرب" سقطت في وحل الغدر الأمريكي. 

لكن الفاجعة التي لا يمكن لعقل تصورها تجسدت في مدينة "ميناب"، حيث استهدفت الطائرات مدرسة ابتدائية للبنات، مما أدى لمقتل أكثر من 150 طفلة دفعة واحدة وهن صائمات. هذا الاستهداف الممنهج في شهر رمضان ليس صدفة، بل هو "تفنن في الإيلام"، تمامًا كما اختاروا فجر عيد الأضحى لإعدام صدام حسين، كأنهم يقولون لنا بوقاحة: "لا قدسية لأيامكم".
 
وفي فلسطين، لا تزال غزة تعيش "الوجع بالتقسيط". فبينما نتابع المسلسل الدرامي "أصحاب الأرض"، نجد أن الواقع على الأرض يتجاوز بشاعة الدراما بمراحل. المسلسل يحاول ملامسة جراح الهوية، لكن الحقيقة في أزقة غزة أكثر دموية؛ استنزاف يومي للأرواح، واغتيالات لا تتوقف تحت غطاء من الصمت الدولي المريب. وفي خضم كل هذا السواد، انتشرت كالنار في الهشيم شائعات مقتل "نتنياهو"، وكأن شعوبنا التي أعجزتها الحيلة باتت تتشفى في "خيال الشائعة" لتعوض غياب العدالة على الأرض. إن تعلق الناس بهذا الخبر، صدقًا أو كذبًا، يعكس حجم الغليان والرغبة في رؤية نهاية لهذا الكابوس الصهيوني الذي يسعى لإقامة إمبراطوريته المزعومة من "النيل إلى الفرات."
 
لكن الوجع الأكبر يكمن في "هواننا الداخلي". كيف لعالمنا العربي والإسلامي الذي يملك ثروات تسد عين الشمس، وقوى بشرية جبارة، أن يقف عاجزًا؟ إننا نرى مقدرات دول الخليج تستباح علانية لصالح أمريكا، التي تسحب مئات المليارات بحجة "الحماية" الواهية، بينما تترك "مصر" وحيدة في معركتها الاقتصادية لسداد ديونها وتقوية عودها. 

بل إن القبح وصل ببعض الأطراف للاتفاق مع العدو في الخفاء، وتمويل مشاريع تضر بالأمن القومي المصري كـ"سد النهضة"؛ فكيف يدفع لترامب المليارات مقابل وهم الحماية، بينما تدفع الاستثمارات لإثيوبيا لتخنق شريان الحياة في مصر؟ إن غياب "الدرع الاقتصادي" الذي كان يجب أن يحصن الأمة هو طعنة في ظهر العروبة.
 
لقد أثبتت الصواريخ الإيرانية الأخيرة هشاشة "الحماية الأمريكية"، حين دكت القواعد العسكرية في المنطقة تمامًا، لتكشف أن تلك القواعد ليست سوى أدوات للتبعية لا للحماية. 

وهنا، يسجل لمصر فخرها التاريخي بأنها ظلت صامدة، خالية من القواعد الأجنبية، ترفض بيع سيادتها رغم الضغوط المادية الخانقة، لتبقى هي وقواتها المسلحة صمام الأمان الحقيقي.
 
إن دفاعنا عن إيران في هذا السياق هو دفاع عن "ميزان القوى". فهي دولة إسلامية كبرى ومتقدمة، تمثل مع مصر وتركيا الثلاثي الذي يمنع سقوط الشرق الأوسط تمامًا في يد المشروع الصهيوني. 

إن ضرب إيران واغتيال رموزها وتصفية أطفالها ليس إلا محاولة لكسر هذا التوازن. فإضعاف إيران هو "الضوء الأخضر" لإسرائيل لتعيث في المنطقة فسادًا دون رادع. إن قوتنا تكمن في "تكاملنا العربي والإسلامي" العابر للحدود، وفي إدراكنا أن استهداف أي عاصمة إسلامية هو استهداف لمكة والقاهرة وبغداد وغيرها من دول المنطقة.
 
إن العطاء في رمضان هذا العام يجب أن يتجاوز مفهوم "الصدقة المادية"؛ فالعطاء الحقيقي هو "عطاء الوعي"؛ ألا نعتاد مشهد الدم، وألا تتحول أشلاء الأطفال إلى خلفية باهتة لحياتنا اليومية.

العبرة هي أن نمسك عن "التخاذل" قبل أن نمسك عن الطعام، وأن نفهم أن قوتنا في اتحادنا فوق أي اعتبار سياسي ضيق.
 
ستذهب البلطجة الدولية لـ "مزبلة التاريخ"، وسيرحل الطغاة، ولن تبقى إلا الأرض لأصحابها الحقيقيين. قد يملكون الطائرات والصواريخ، وقد يسرقون أرواح الصغار ويستنزفون الثروات، لكنهم أبدًا لن يسرقوا الهلال من أرواحنا. سيظل هلال رمضان رمزًا للنصر المصري والرحمة، وسيبقى "أصحاب الأرض" هم الغالبون في النهاية، مهما طال الوجع أو اشتدت المؤامرة.. 

فهل تستفيق الضمائر قبل أن يدركها السحور؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة