بقلم الدكتور أسامة الحديدى مدير مركز الأزهر العالمي للفتوي الإلكترونية
موضوعات مقترحة
فرضتِ الحياةُ المادِّيَّةُ، بوتيرتِها المتسارعةِ، على الإنسانِ كثيرًا من التوتُّراتِ والضُّغوطِ النَّفسيَّةِ، ممَّا جعلهُ عُرضةً سهلةً للأمراضِ العصبيَّةِ والنَّفسيَّةِ المختلفةِ؛ ولذلكَ يحتاجُ الإنسانُ إلى ما يُعيدُ له التَّوازُنَ الرُّوحيَّ والنَّفسيَّ المفقودَ، ويجعلُهُ مُنسجمًا مع نفسِهِ والبيئةِ المُحيطةِ به. فتأتي عبادةُ الصِّيامِ، بصورتِها المعروفةِ عندَ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، لتُعيدَ للنَّفسِ البشريَّةِ سموَّها وتوازُنَها، وتُخلِّصَها من الانغماسِ المادِّيِّ. ومع أنَّ الصِّيامَ عبادةٌ فُرِضَت على سائرِ الأُممِ من قبلُ، إلَّا أنَّ اللهَ تعالى مَنَّ على الأُمَّةِ المحمَّديَّةِ بالصِّيامِ بهذهِ الهيئةِ، فتفرَّدتْ بهِ، وأصبحَ خاصَّةً من خصائصِها.
وفي الصِّيامِ ينقطعُ المسلمُ عن أهمِّ شهواتِهِ، وأحبِّ غرائزِهِ إليهِ، وهما شهوتا البطنِ والفرجِ؛ فيستطيعُ أن يكسرَ نفسَهُ وتشَوُّقَها إلى هذهِ الغرائزِ بالجوعِ الذي يُصيبهُ أثناءَ صومِهِ. وحتَّى يصلَ الإنسانُ إلى جوهرِ الصِّيامِ ويُحقِّقَ المقصودَ منهُ، فعليهِ أن تصومَ جوارحُهُ أيضًا؛ فينتهي عن كلِّ ما يُفضي إلى الأحقادِ وأمراضِ القلوبِ، مثلَ الكذبِ، والغيبةِ، والنَّميمةِ، وقولِ الزُّورِ، والبهتانِ، والخوضِ في أعراضِ الناسِ، والسُّخريةِ منهم.
فإذا ما استطاعَ الإنسانُ أن يتخلَّى عن ذلكَ، ويحفظَ لسانَهُ وسائرَ جوارحِهِ، علاوةً على كسرِ الشَّهوةِ والغريزةِ المادِّيَّةِ، والتعوُّدِ على الصَّبرِ عن عدمِ نيلِها، استطاعَ أن يصلَ إلى السَّكينةِ الرُّوحيَّةِ، والتَّوازُنِ، والهدوءِ النَّفسيِّ؛ فيُشفى من مشاعرِ القلقِ، والتوتُّرِ، والخوفِ، والمتعةِ الزائفةِ، وكلِّ ما يُسمَّى بأمراضِ العصرِ. فتظهرُ السِّماتُ الرُّوحيَّةُ النقيَّةُ، والمشاعرُ الإنسانيَّةُ الرَّاقيةُ، فيُحقِّقُ الإنسانُ التَّوافُقَ والانسجامَ مع نفسِهِ، ومع من يعيشُ حولَهُ ومعهُ، ثمَّ يصلُ إلى التَّناغمِ مع الكونِ؛ فيشعرُ بلذَّةِ الحياةِ الحقيقيَّةِ، تلكَ اللذَّةِ الرُّوحيَّةِ لا المادِّيَّةِ.
وهذا هو مقصودُ قولِ النَّبيِّ ﷺ في الحديثِ: «الصِّيامُ جُنَّةٌ؛ فلا يرفُثْ ولا يجهلْ، وإنِ امرؤٌ قاتلَهُ أو شاتمَهُ فليقلْ: إنِّي صائمٌ، مرَّتينِ. والذي نفسي بيدِهِ، لَخُلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ تعالى من ريحِ المسكِ؛ يتركُ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ من أجلي، الصِّيامُ لي وأنا أجزي بهِ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها».