ينتهي قارئ كتاب «مائة مبدعة ومبدعة: كتب عربية أثرت العالم» بتنهيدة زهْو. وقد يتساءل: كل هذا الثراء؟! ويتأكد له أن هذا الثراء تمثيل للمنجز الكتابي العربي. وأن العربية، وإن كانت من أحدث اللغات، لديها تراث كتابيٌّ في الفقه والتاريخ والتصوف والآداب والفلسفة والعلوم السياسية والطبيعية أقدم وأغزر مما تمتلكه أي لغة. ولا يزال التراث العربي المخطوط أكثر مما لدى اللغات كافة. ليس للفارسية مثلًا منجز تدويني قبل القرن التاسع الميلادي، ويتباهون بذكر «الشاهنامه»، حين كانت مكتبات الحواضر العربية والأندلسية لا مثيل لها في العالم، ولم يكن لباريس أو لندن ذِكر. لكن العنوان الفرعي «كتب عربية أثرت العالم» يستحق وقفة للتأمُّل.
موضوعات مقترحة
فكُتُب الرائدات العربيات تنتمي إلى فترة النهضة، بداية استعادة الوعي، إدراك المبدعة العربية ذاتَها والعالم. وكان «العالم» قد أنجز قفزات في الآداب والفنون والفلسفة والعلوم الطبيعية، وأسهمت نساؤه بأنصبة متفاوتة في الكشوف والاختراعات، من ابتكار شخصيات أدبية «عالمية» مثل فرانكنشتاين (ماري شيلي 1818)، إلى علوم الذرة (ماري كوري 1903). من هذا المنظور، ليس لهذه المؤلَّفات العربية التي كتبتها «مائة مبدعة ومبدعة» تأثير في إثراء العالم. صار العالم في مكان آخر، لا يرانا، ولا يحتاج إلى قراءة إبداعات نساء أو رجال، مكتفيًا بتصوُّر اصطنعته فوائض أخيلة مستشرقين يروننا في مرآة «ألف ليلة وليلة». سحرهم النصُّ القصصي الأعظم في كل العصور واللغات.
كتاب «مائة مبدعة ومبدعة»، الصادر عن مركز أبو ظبي للغة العربية، منمنمات فكرية وإبداعية تجمّل جدارية هائلة. إعداد: سينا مقلّد، شفيقة وعيل، دانا الشحبري، روان الحلو، هند السعيد، هيا العلوي، رنا الحكيم، مالك شاكر، إيمان أبو حرب. تحرير ومراجعة: لينا الجمَّال. أما لجنة الإشراف فتضم الدكاترة: علي بن تميم، عبد الله الغذامي، محسن جاسم الموسوي، بلال الأرفه لي، خليل الشيخ. وفي 532 صفحة من القطع الكبير يضيء الكتاب أسماء وإبداعات 101 مبدعة، بداية من عائشة الباعونية المتوفاة في دمشق عام 1516، إلى العمانية جوخة الحارثي المولودة عام 1978. وللكتاب ثلاث مقدمات للدكاترة: علي بن تميم، عبد الله الغذَّامي، مارل هاموند.
مائة مبدعة ومبدعة
تعنى المقدمة الأولى بثمار التغيرات السياسية والاجتماعية في استيعاب المبدعة العربية التحولات الأدبية، وصناعتها أيضًا. ومقدمة الغذَّامي تدين اللغة المشحونة بالفحولة، ودورها في استمرار المرأة «نموذجًا لجنسها وليست ذاتًا». وتحت عنوان «المرأة في التراث العربي في ما قبل الحداثة» تناولت مارل هاموند، الأستاذة بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS) بجامعة لندن، تأثير المركزية الأوروبية على إقصاء الكاتبة العربية منذ الخنساء. تراث الكاتبات في مدونة الأدب العربي ضخم، يتوزع على جغرافيا واسعة تشمل الأرجاء الناطقة باللغة العربية، من العالم العربي إلى الأندلس، «فأي تراث أدبي أوروبي يمكنه منافستهن؟» غزارة وتنوعًا، حتى إن شاعرات الخوارج، مثل أم حكيم، عبَّرن عن شوقهن إلى الموت.
دراسة هاموند التاريخية البانورامية تطرح أسئلة في النقد الثقافي، تتجاوز النصوص إلى سياقات إنتاجها. في صدر الإسلام مالت الحرائر إلى العزلة والاحتجاب، فتراجعت مكانة الشاعرة «بوصفها شخصية عامة». وفي العصر العباسي برزت الجارية الشاعرة؛ لتمتُّعها «بحرية أكبر في الاختلاط بالرجال والانخراط في المزاح الغزلي والعابث». ومن أبرز الشاعرات عُليَّة بنت المهدي، ثالث الخلفاء العباسيين. لم تكن تنشغل بالشعر «إلا في أثناء الحيض، أي عندما لا تكون في طُهر، وأما فيما عدا ذلك ـ كما جاء في الأثر ـ فكانت تنشغل بالصلاة ودراسة القرآن». آنذاك بدأ التدوين؛ فظهرت المرأة كاتبة النثر، من هؤلاء أم البهلول التي ينسب إليها كتاب «النوادر والمصادر».
الدكتور علي بن تميم
في الأندلس اقترنت الحرية النسبية بغزارة الكتابة. تنقل مارل هاموند عن محمد كُرد علي أن 170 امرأة كنَّ يكتبن المصاحف في حي واحد من أحياء قرطبة، في عصرها الذهبي. وكانت النساء من كتبة البلاط، مثل مُزنة التي عملت كاتبة في بلاط الخليفة عبد الرحمن الناصر. كما استطاعت النساء، شأنهن شأن الرجال، الارتحال والإقامة بين البلدان. عاشت سارة الحلبية في القرن الثالث عشر الميلادي. جاءت من حلب، وأقامت في الأندلس، ثم استقرت في المغرب. والشاعرة الفاطمية تقية الصورية أصلها من صور، وولدت في دمشق، واستقرت في الإسكندرية حتى وفاتها عام 1184 ميلادي. أما «آخر كاتبات ما قبل الحداثة» فهي عائشة الباعونية.
بالشاعرة الأديبة عائشة الباعونية، التي عاشت بين الشام ومصر في نهاية العصر المملوكي، يبدأ كتاب «مائة مبدعة ومبدعة». بين النشأة في دمشق والوفاة بها عام 1516، حظيت عائشة الباعونية بحياة حافلة بالأدب والمعرفة. أبوها قاضي القضاة جمال الدين الباعوني، وأخوها مؤرخ وأديب، وعمُّها شيخ الأدب في الشام. كتبت في مجال احتكره الرجال وهو «التصوف بلغته المثقلة ومجازه الثرّ... وحصلت على إجازة في الإفتاء والتدريس». وصفها العلماء والشعراء بأنها من نوادر الزمان. ألَّفت كتبًا في المدائح النبوية والتصوف. وكانت رحلتها إلى مصر «نقلة كبيرة أدبيَّا وعرفانيَّا»، إذ كتبت قصائد ديوان «فيض الفضل وجمع الشَّمل» أثناء إقامتها بالقاهرة، بين عامي 1513 و1515.
الدكتورة مارل هاموند الأستاذة بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن
تراث عائشة الباعونية يحتاج إلى دراسة، في ضوء كتابات نساء عصرها. ربما لم تؤلف امرأة قبلها، بأي لغة، هذا العدد من الأعمال الشعرية والنثرية. هذا فراغ يتركه الكتاب الذي يرتب المبدعات زمنيًّا، ويذكر المعلومات المجردة. ومن الباعونية يقفز إلى القرن التاسع عشر، إلى اللبنانية وردة اليازجي (1838 ـ 1924)، وقد أتاحت نشأتها في الأسرة اليازجية العريقة أسباب النبوغ. وانتقلت إلى الإسكندرية وعملت في مدارسها. وعملت في مجلة «الضياء» التي أسسها أخوها إبراهيم اليازجي عام 1898. وتوفيت وردة في الإسكندرية، تاركة ديوانها «حديقة الورد» المنشور في بيروت عام 1867، وصدرت طبعته الثانية عام 1887، ونشر للمرة الثالثة في مصر عام 1914.
المعلومات هنا أيضَا مجردة. لا يعرف القارئ هل طُبع ديوان لشاعرة عربية قبل وردة اليازجي؟ وأن يطبع ثلاث مرات في بلدين، في حياة الشاعرة، فتلك سابقة. ويسجل الكتاب أن وردة، التي لُقبت بخنساء العصر، دافعت في مقالاتها عن المرأة الشرقية، إذ حثَّت النساء على الاهتمام بالعلوم والفنون. وبعد وفاتها جُمعت مختارات من مقالاتها في كتاب «الشعر النسائي العصري وشهيرات نجومه»، وصدر في القاهرة عام 1929. وإذا كان ديوان وردة اليازجي أول عمل شعري ينشر لشاعرة في بيروت، فقد صدر في القاهرة ديوان «حلية الطراز» لعائشة التيمورية التي حملت أيضًا لقب خنساء العصر الحديث، ويرى باحثون أنها «أول شاعرة عربية حديثة».
بنت فكر
عائشة التيمورية (1840 ـ 1902) فضَّلت الثقافة على رفاهية مادية تتمع بها أسرتها، فأبوها رئيس الديوان الخديوي، ويجيد ست لغات. وقد كتبت الشعر بالعربية والتركية والفارسية، ومن أشهر مؤلفاتها «نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال» و«مرآة التأمل في الأمور»، ومسرحية «اللقاء بعد الشتات». يسجل هذا الكتاب أنها «أول مسرحية عربية»، وأن التيمورية «سبقت في موقفها من تحرير المرأة قاسم أمين». ومن التمرد كتصوُّر ذهني، إلى الثورة كفعل تنفذه الإرادة تجسَّد في الأميرة سالمة بنت سعيد (1844 ـ 1924). غادرت ماضيها، الأرض والأهل واللغة، وعاشت في هامبورج، ونشرت عام 1886 مذكراتها بالألمانية، «تعدُّ من أوائل المحاولات في كتابة سيرة ذاتية لامرأة عربية».
في «مذكرات أميرة عربية» تحكي عن طفولتها في قصر أبيها سلطان عُمان وزنجبار، وقد توفي وهي في الثانية عشرة. ثم توفيت أمها الجارية الشركسية بعد ثلاث سنوات. وفي عام 1866 استطاعت الفرار. وفي رأي أوسكار وايلد أن «سيرة حياتها إرشادية ككتب التاريخ، ومذهلة كالخيال». والسيرة تنتقد الخيال الاستشراقي، وتفكك الصورة الذهنية الغربية عن العرب والمسلمين، وتسخر من سائح يمرُّ بالشام أو القاهرة؛ فيكتب من خياله، بجديَّة، أساطير ينشرها في كتاب لا يلبث أن يصير «مصدرًا وحجة تُستقى منه المعلومات وتُبنى عليها الأحكام». لم تكتب الأميرة سالمة عملًا آخر، على العكس من رائدات تنوع عطاؤهن، مثل مريانا مرَّاش (1848 ـ 1919).
حسن العواقب لزينب فواز
درست مريانا في بيروت، وزارت مدنًا أوروبية، ونبغت في الرياضيات والعزف والغناء. وفي سن الثانية والعشرين أسست صالونها الأدبي بمنزلها في حلب. وكتبت في الصحف تطالب بتجديد الأسلوب والموضوعات. ونشرت كتابها «تاريخ سوريا الحديث». ونشرت عام 1893 ديوانها «بنت فكر»، وقصائده تقليدية لا تترجم الأفكار التجديدية في مقالاتها. وإذا كان الشعر، وبخاصة الرثاء، أقرب إلى طبيعة المرأة فإن القفزة الروائية حملت لواءها «درَّة الشرق» زينب فواز (1850 ـ 1914). جاءت من لبنان متغلّبة على الفقر، واستقرت بالقاهرة وكتبت في الصحف والمجلات. وأصدرت عام 1899 رواية «حسن العواقب أو غادة الزاهرة» التي تُعد الرواية العربية الأولى. كما نشرت مسرحية «الهوى والوفاء».
في نهايات القرن التاسع عشر، احتضنت مصر مفكرين وأدباء وفنانين، أغلبهم شوام هاربون من الاحتلال التركي. أجواء مصر تلائم مواهب الكاتبات، ومجالسهن تستهوي الكتَّاب. لكني أشعر بعدم اطمئنانهن تمامًا إلى لؤم الرجال؛ فالتاريخ الذكوري مُقلق، والتسامح قد يعقبه انقلاب. الخوف ربما دفع بعضهن إلى تأليف كتب تحتفي بالسالفات عمومًا، أو تشيد بكاتبة واحدة. زينب فواز وضعت معجم «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور»، ضمَّنته تراجم أربعمئة وست وخمسين امرأة من الشرق والغرب. بهذه السير أكدَّت زينب فواز انتماءها الأدبي، وأنها حفيدة المبدعات. كما احتفلت مي زيادة (1888 ـ 1941) بالرائدات، وألَّفت كتبًا عن عائشة التيمورية وملك حفني ناصف ووردة اليازجي.
سيدات القمر
تتنهي صفحات «مائة مبدعة ومبدعة» بالأصغر سنًّا، مبدعة «سيدات القمر» جوجة الحارثي، الشخصية العربية الوحيدة الفائزة بجائزة مان بوكر العالمية للرواية، عام 2019. بانتهاء الكتاب يبدأ السؤال عن معايير الاختيار. لا يخفى على القارئ شيء من تأثير الحضور المكتسب من الأضواء الإعلامية، أحيانًا، على حساب القيمة الفكرية والإبداعية. ومن المستحيل الإجماع على أي مختارات. وقد استبق الدكتور علي بن تميم، في المقدمة، انتقاد اختيارات «لا تدّعي أفضلية لها على غيرها، ولا تقلل من أهمية مبدعات أخريات». أتفادى التعليق على شخصيات عربية؛ فالشوفينية تُكهرب أعصابًا عارية تنكر حق الاختلاف. وأكتفي بالسؤال عن جدارة استحقاق مصريات محدودات التأثير، لا شأن كبيرًا لأعمالهن.
أقارن أعمال أمينة السعيد وجليلة رضا ودرية شفيق بإنجاز رائد لأبكار السقاف (1913 ـ 1989) في كتابها «إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة»، وموسوعتها «المراحل التطورية للإنسان» عن الدين في مصر القديمة وفي شبه الجزيرة العربية وغيرها. وفي كتاب «مائة مبدعة ومبدعة»، حيث لا اعتبار لحصص الجغرافيا، غابت أبكار السقاف. وتوقعت وجود اليمنية نادية الكوكباني والتونسيتين رجاء بن سلامة وألفة يوسف، وكذلك الجزائرية آسيا جبار (1936 ـ 2015)، والمغربية فاطمة المرنيسي (1940 ـ 2015). وربما نسيت أخريات جديرات بالذكر. لكن الكتاب جهد كبير، جدير بالحفاوة. يغري بانتظار مؤلفات تنعش الذاكرة بإبداع عربي عن «مئة شاعر وشاعر»، و«مئة فيلم وفيلم»، و«مئة مخرج ومخرج».