فطنت القيادة المصرية منذ عام 2011 إلى طبيعة التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، حيث اتضحت ملامح مخططات تستهدف تفتيت الدول الوطنية من الداخل، عبر إنهاك مؤسساتها، وهدم قوة جيوشها، وإشعال الصراعات المجتمعية، حتى تتحول إلى كيانات منهكة يسهل توجيهها أو السيطرة عليها.
موضوعات مقترحة
وقد أثبتت تجارب الإقليم أن إسقاط الدولة لا يبدأ من حدودها، بل من داخلها، وأن هدم المؤسسة العسكرية الوطنية كان المدخل الأخطر لإسقاط العديد من الدول.
ولأن التاريخ كان المرجع، والتخطيط الاستراتيجي كان الوسيلة، قامت القيادة السياسية بتحديد ملامح طريق واضح يستند إلى ثوابت وطنية راسخة، في مقدمتها الحفاظ على وحدة الدولة وصون مؤسساتها، وترسيخ استقلال القرار الوطني، مع الارتكاز على تدعيم القوات المسلحة الوطنية باعتبارها الركيزة الأساسية لأمن الوطن وضمانة استقراره.
ومن هنا تشكلت رؤية مصرية متكاملة بقيادة سياسية واعية تقوم على بناء " القوة الذكية " أي المزج المتوازن بين القوة العسكرية الصلبة، والحضور السياسي الفاعل، والقدرة الاقتصادية، والتطور التكنولوجي، وتحقيق تنمية شاملة في إطار استراتيجية شاملة لا تكتفي برد الفعل، بل تعتمد على الاستباق والردع.
تحديث شامل.. من رد الفعل إلى قوة الردع
لم يكن قرار السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تحديث القوات المسلحة المصرية مجرد عملية إحلال وتجديد للعتاد، بل كان إعادة بناء شاملة لمنظومة الردع الوطني. فمع اتساع دوائر التهديد في الاتجاهات الاستراتيجية كافة – غربًا مع تطورات الأزمة الليبية، وجنوبًا في ظل تحديات منابع النيل، وشمالًا في شرق المتوسط بعد اكتشافات الغاز – أصبح لزامًا امتلاك قدرات عسكرية متعددة الأبعاد.
في هذا الإطار، تبنت مصر سياسة تنويع مصادر التسليح، بما يعزز استقلال القرار الوطني ويمنح القوات المسلحة مرونة عملياتية واسعة. وقد انعكس ذلك في دعم القوات البحرية بحاملتي المروحيات من فئة ميسترال، والفرقاطة متعددة المهام فريم تحيا مصر، إلى جانب الغواصات الألمانية من طراز Type 209 submarine، والفرقاطات الحديثة من فئة MEKO A-200، بما عزز قدرات الردع البحري في المتوسط والبحر الأحمر.
وعلى صعيد القوات الجوية، حصلت مصر على المقاتلات متعددة المهام Dassault Rafale، إلى جانب MiG-29M/M2، مع استمرار تطوير أسطول F-16 Fighting Falcon، ودعم قدرات المروحيات الهجومية بطراز Kamov Ka-52. هذا التنوع لم يكن هدفه الكم، بل تحقيق تكامل عملياتي يضمن التفوق في مختلف السيناريوهات.
قواعد عسكرية.. بنية تحتية عسكرية تعزز الانتشار والجاهزية
بالتوازي مع تحديث العتاد، شهدت مصر طفرة في إنشاء القواعد العسكرية الاستراتيجية لتعزيز سرعة الانتشار وتأمين الاتجاهات المختلفة. فقد تم افتتاح قاعدة محمد نجيب العسكرية في الاتجاه الغربي، بما يعزز تأمين الحدود مع ليبيا.
كما جاءت قاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر لتأمين الملاحة والسواحل الجنوبية، فيما عززت قاعدة 3 يوليو البحرية الانتشار البحري في المتوسط وحماية المصالح الاقتصادية.
هذا التوسع في القواعد لم يكن استعراضًا للقوة، بل ترجمة عملية لمفهوم الدفاع المتقدم والانتشار السريع.
حسم معركة الإرهاب وترسيخ الاستقرار
شكلت مواجهة الإرهاب أحد أبرز التحديات التي واجهتها الدولة، خاصة في شمال سيناء. وجاءت العملية الشاملة سيناء 2018 كمرحلة حاسمة في استعادة السيطرة الكاملة على الأرض، عبر تفكيك البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية وتجفيف منابع الدعم، وهو ما انعكس في تراجع ملحوظ للعمليات الإرهابية وترسيخ الاستقرار الداخلي.
الدبلوماسية العسكرية وبناء الشراكات
اعتمدت مصر كذلك على توسيع نطاق المناورات والتدريبات المشتركة في الداخل والخارج باعتبارها أداة ردع ورسالة سياسية في آن واحد. ومن أبرزها مناورات النجم الساطع، و**ميدوزا في شرق المتوسط، إلى جانب درع العرب و**رعد الشمال**، كليوباترا ، بما عزز جاهزية القوات المسلحة ورسخ شبكة شراكات دفاعية مرنة.
توطين الصناعات العسكرية.. ضمان الاستدامة
لم تتوقف الإستراتيجية المصرية عند حدود الاستيراد، بل امتدت إلى توطين الصناعات الدفاعية، وتعزيز التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، بما يضمن استدامة القدرة القتالية وتقليل الاعتماد على الخارج في أوقات الأزمات.
ومن أمثلة التوسع في تصنيع المدرعات والذخائر محليًا:
• تطوير الصناعات البحرية العسكرية "إحياء وتطوير مصنع الترسانة البحرية بالتعاون مع الجانب الفرنسي".
• افتتاح مصنع 300 الحربي.
• إبراز المنتجات الوطنية في معارض إيديكس للصناعات الدفاعية سيناء ورعد وغيرهم من المركبات والمدرعات المنتجة محليا بمكون مصري متزايد.
هذا المسار لم يكن اقتصاديًا فقط، بل كان ركيزة استراتيجية لضمان استمرارية القدرة القتالية في أوقات الأزمات.
ختاماً يمكن القول إن ما شهدته مصر خلال العقد الأخير يمثل إعادة صياغة شاملة لمفهوم الأمن القومي، في ظل بيئة إقليمية معقدة تتسم بتفكك الدول وتصاعد التهديدات غير التقليدية. وقد اختارت الدولة المصرية مسارًا يقوم على تثبيت مؤسساتها، وتدعيم قواتها المسلحة، وبناء قوة ذكية متعددة الأبعاد تجمع بين الردع العسكري، والحضور السياسي، والجاهزية الإستراتيجية.
وفي زمن سقطت فيه دول بفعل التفكك الداخلي، رسخت مصر معادلة مختلفة: دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة بقرارها، قادرة على حماية أمنها وصون استقرارها واستعادة مكانتها الإقليمية والدولية.
توطين الصناعات العسكرية