منجم الذهب المصري!

28-2-2026 | 12:26

في العادة، لا أكتب عن الشخصيات العامة. ليس لأنني أقدسهم أو أخشاهم، لكن لأنني أؤمن بأن الأضواء تسلط على من يستحقها. 

لكن زيارة المستشار تركي آل الشيخ الأخيرة إلى القاهرة كانت مختلفة. وأنا أعرف أن كلمة مختلفة صارت مبتذلة في زمن أصبح فيه كل شيء مختلفًا ولا شيء يتغير حقًا. لكن هذه المرة، الأمر يستحق التوقف.

دعونا نتفق أولًا أن تركي آل الشيخ هو شخصية مثيرة للجدل، يحبه البعض ويعشقه، وآخرون ويعتبرونه تجسيدًا لكل ما هو استهلاكي في ثقافتنا العربية. وهذا الاختلاف مشروع، لكن ما يعنيني هنا ليس الرجل بقدر ما هو النموذج الذي يقدمه، ذلك النموذج النادر في علاقتنا العربية مع بعضنا بعضًا.

منجم الذهب الذي لا يراه الآخرون 

لدينا مقولة قديمة تقول إن البعض يرى الأشياء كما هي ويتساءل لماذا؟! وآخرون يحلمون بأشياء لم تكن قط ويتساءلون لم لا؟! تركي آل الشيخ، في زيارته الأخيرة، كان من النوع الثاني. هو يرى في مصر ما لا يراه الكثيرون، حتى من المصريين أنفسهم .

الرجل يعقد اجتماعات ماراثونية مع وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي . يوقع عقودًا مع اتحاد الملاكمة. يمضي قدمًا في شراكة إستراتيجية مع MBC مصر. يجلس إلى رجال الأعمال الكبار في مأدبة سحور تحولت إلى منصة لتبادل الأفكار والرؤى. ثم يذهب ليزور الفنان الكبير فاروق حسني في منزله.
 
قد يقول قائل أن هذا كله متوقع من مسئول خليجي كبير يزور مصر. لكن الفرق ليس في حجم الزيارات، لكن في النظرة البعيدة. آل الشيخ لا يشتري نجاحًا سريعًا، ولا يبحث عن عناوين عريضة تذبل مع انتهاء الزيارة. هو يزرع شيئًا أشبه بالعلاقة العضوية مع مصر. وشعاره مع وزيرة الثقافة كان جميلًا وبسيطًا "نزرع الأمل والبهجة".

وهنا تكمن العبقرية. فالأمل لا يزرع في أرض جرداء، والبهجة لا تزهر في مناخ غير مناسب. الرجل يقرأ المشهد بعينين مفتوحتين على مصراعيهما. هو يعرف أن مصر منجم ذهب، منجم لا يفتح بمفاتيح عادية. يحتاج إلى خريطة حقيقية، وفهم عميق لطبقات الصخر التي تحتفظ بهذا الذهب.

مسح شامل للواقع المصري

ما فعله آل الشيخ في هذه الزيارة يتجاوز حدود الصفقات التجارية. لقد أجرى عملية مسح شامل للواقع المصري على الأرض. قابل رجال الأعمال ليلمس نبض الاقتصاد. جلس إلى الفنانين ليفهم مفردات القوة الناعمة. اجتمع بوزيرة الثقافة ليضع معها اللبنة الأولى لمشروعات تمتد إلى كل محافظات الجمهورية .
 
هذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف. ففي زمن يتركز فيه كل شيء في العاصمة، يأتي رجل ليقول إن الثقافة المصرية ليست حكرًا على القاهرة أو الإسكندرية، وإن الفن الحقيقي يصنع في الشارع قبل أن يصنع على المسرح. مشروعات في السينما والمسرح ونشر الثقافة في المحافظات، ومشروع ثقافي كبير في الساحل الشمالي.

هذا ليس كلامًا إنشائيًا. هذا رجل يتحدث عن خريطة طريق واضحة، تصلح لأن تدرس في كليات الإدارة. المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق العديد من المشروعات المشتركة، هكذا قال. وصيف هذا العام سيكون مختلفاً، هكذا وعد.
 
ثم يأتي الاتفاق مع اتحاد الملاكمة. وهنا أتوقف قليلًا. الملاكمة ليست مجرد رياضة هامشية في مصر. إنها رمز للقوة والانضباط والمواجهة. 

وفي زمن تتصارع فيه الأمم على كل شيء، يبدو الاهتمام بالرياضات القتالية بمثابة استثمار في البشر قبل الحجر. ربما لهذا السبب تحديدًا اختار آل الشيخ هذا الاتجاه.

أما مع MBC مصر، فالرجل يضع قدميه في قلب الإعلام الأكثر تأثيرًا في المنطقة. إنتاج برامج منوعات وبرامج رياضية وأعمال درامية، ليس لمجرد ملء ساعات البث، بل لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري. وهذه بالمناسبة لغة احترافية نادرًا ما نسمعها في صفقاتنا العربية المشتركة.
 
تحية للتاريخ

زيارة آل الشيخ إلى الفنان الكبير فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، كانت رسالة لا تخفى على ذي عينين. في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتهافت فيه الأسماء، يقف رجل ليحيي تاريخًا بأكمله. ليس مجاملة، بل اعتراف بأن من سبقوا هم خبرات متراكمة تستحق الاحترام والاستماع.

اللقاء اتسم بأجواء دافئة عكست عمق العلاقات الثقافية والإنسانية. وهذا تحديدًا هو الفارق بين مسئول وصانع علاقات. الأول يؤدي واجبه، الثاني يبني جسورًا. آل الشيخ، يبني جسورًا تمتد في الزمن، لا تنهار بانتهاء الولاية أو تغير المسئول.

لماذا الآن؟

السؤال الأهم هو لماذا يحدث كل هذا الآن؟ ربما لأن المنطقة كلها تعيش لحظة إعادة ترتيب أوراق. لحظة تدرك فيها النخب الحقيقية أن المراهنة على المستقبل تتطلب شراكات حقيقية. مصر التي يظنها البعض غارقة في همومها اليومية، تمتلك من المقومات ما يجعلها شريكًا إستراتيجيًا لا يمكن تجاوزه.

آل الشيخ يقرأ هذا المشهد بعينين مفتوحتين. هو يعلم أن مصر، بفنها وثقافتها، تستحق أكثر مما يقدمه العاديون. وأن الاستثمار في مصر هو اقتطاع من المستقبل، رهان على أن هذه الدولة العريقة ستظل مركز الثقل في المنطقة، مهما تعثرت الخطى أو تعقدت المسارات.

هناك من يتحدث عن الدبلوماسية الناعمة كمصطلح نظري. آل الشيخ يحولها إلى واقع ملموس. ليس عبر المؤتمرات والندوات، بل عبر مشروعات على الأرض تمس حياة الناس. في السينما، في المسرح، في الرياضة، في الإعلام.

بين الحب والكراهية

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، أن تركي آل الشيخ شخصية مثيرة للجدل. تحبه أو لا تحبه، هذه مسألة شخصية. لكن ما يعنيني هنا، بعيدًا عن المزايدات والانحيازات، هو النموذج. نموذج رجل عربي استطاع أن يفك شفرة العلاقة مع مصر بشكل مختلف. جاء بثقة من يملك رؤية واضحة، ويدرك أن العلاقات الناجحة تقوم على الندية لا التبعية، على المصالح المتبادلة لا المنح المؤقتة.

بعض المنتقدين يرون في تحركاته مجرد استثمار تجاري. حتى لو كان كذلك، فأين المشكلة؟ الاستثمار الحقيقي هو الذي يربح فيه الطرفان. مصر تحتاج إلى استثمارات حقيقية في ثقافتها وفنونها، وآل الشيخ يقدم نموذجًا لرأس المال الواعي الذي يبحث عن قيمة مضافة، لا عن أرباح سريعة فقط.
 
خاتمة للتفكير

في النهاية، سيبقى تقييم تجربة تركي آل الشيخ في مصر معلقًا على ما ستسفر عنه الأيام. الاتفاقات تبقى حبرًا على ورق إن لم تتحول إلى واقع ملموس يمس حياة الناس. المشروعات الثقافية والرياضية والفنية تحتاج إلى إرادة حقيقية لتنفيذها، وإلى فرق عمل محترفة تديرها بحرفية.

لكن ما لا يمكن إنكاره أن الرجل استطاع، في زمن قل فيه الفهم العميق، أن يدرك أن مصر حالة وجدانية وثقافية وإنسانية. من يقترب منها بذكاء وحب، تقابله بالمثل أضعافًا مضاعفة. وهذا ليس كلامًا عاطفيًا، بل هو قانون تفاعل اجتماعي وثقافي أثبتته عقود من العلاقات المصرية مع محيطها العربي.

جمهورية مصر العربية تستحق، هذا صحيح. لكن الأهم أن هناك من يعرف كيف يعطي ليأخذ، وكيف يزرع ليحصد، وكيف يحلم ليحقق. وهذه، في النهاية، قصة نجاح تستحق التأمل.

سأكون صريحاً معك، وأنا أعلم أن الصراحة في زمن المجاملات قد تكون باهظة الثمن. لكن الحق أولى أن يتبع. والمستشار تركي آل الشيخ، بزيارته الأخيرة لمصر، أعطى درسًا عمليًا في كيفية فهم اللعبة الكبرى. لعبة الأمم التي لا تعترف بالحدود، ولا تقبل بالحلول النصفية. لعبة من يفهم أن الثقافة هي السلاح الأقوى في معركة البقاء والتأثير.

وأنت، عزيزي القارئ، لك مطلق الحرية في أن تختلف معي أو تتفق. المهم أن نتفق جميعًا على حب مصر، وأن نتمنى لها الخير من أي جهة أتى. فالوطن لا يسعه إلا أبناؤه، لكن محبيه يمكن أن يأتوا من كل حدب وصوب. وتركي آل الشيخ، بكل تأكيد، واحد من هؤلاء المحبين.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة