لا يوجد شهر أفضل من رمضان يمكننا، بمشيئة الرحمن، من التدرب العملي على العيش بهذه الآية الكريمة، ونحن نتوسل إلى الرحمن ونستعين به "ونستغيث" طالبين النجاة من كل شياطين الأنس والجن ومن النفس المهلكة ومن النفس الأمارة بالسوء؛ إنها الآية الكريمة:" ألم يعلم بأن الله يرى".
جميعنا أثناء الصيام لا نأكل ولا نشرب ونحن وحدنا بعيدًا عن الناس؛ لأننا "نوقن" بأن الله عز وجل يرانا، ونتحمل مشقة الصيام برضى لأننا نرغب في كنوزه "ونكره" حرمان أنفسنا منها بأيدينا.
ومع الأسف وسط تزايد "انغماسنا" في تفاصيل الحياة اليومية والمشكلات والضغوط بأنواعها التي لا تخلو منها أي حياة في الكون؛ ننسى أو "تغيب" عنا حقيقة أن الله سبحانه وتعالى يرانا دومًا -وليس أثناء الصيام فقط- ويطلع على ما نحتفظ به في قلوبنا وعقولنا وما "نتعمد" إخفاءه عن الناس.
تتسع الجوائز والمكاسب في رمضان؛ وأهمها تدبر هذه الآية الكريمة؛ فذلك هو المكسب من رمضان فهو شهر التقوى، ومن مفاتيحها "مراقبة" النفس وتذكيرها بأن الله عز وجل يرانا دومًا؛ "فنستحي" أن يرانا سبحانه وتعالى نحن وأولادنا في غفلة أو معصية.
"ونجتهد" لنكون ممن يرضى عنهم؛ ولا يقتصر ذلك على العبادات فقط وإتقانها والإخلاص في أدائها والتركيز فيها والخشوع وتدبرها، فقط كما قد يتبادر للذهن؛ وهو مطلوب وبالغ الأهمية، ولا يمكن التقليل منه؛ فهو كالأساس الذي تُبنى عليه عقول وقلوب الأسرة المسلمة، وننبه إلى عدم الاكتفاء به، والاهتمام بحسن التعاملات مع الجميع في الأسرة وفي العمل ومع الجيران وفي كل تفاصيل الحياة اليومية.
ولنردد الدعاء: "اللهم ارزقنا عقلًا كاملًا وعزمًا ثاقبًا ولبًا راجحًا وقلبًا زكيًا وعلمًا كثيرًا وأدبًا بارعًا".
واللب هو الباطن والمضمون أي أن يكون الباطن أقوى من الظاهر وأفضل منه؛ وهو ما يجب أن نتنافس فيه مع أنفسنا ليكون كل يوم أفضل مما سبقه، ونسعى ليكون الغد أحسن من اليوم، وتذكير النفس بالحديث الشريف: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس".
وتدبر الآية الكريمة: "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ"؛ أي أن الله يحذرنا من أن نفعل في السر ما يغضبه، فسبحانه العليم الذي لا يخفى عليه شيء وسبحانه القائل: "وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ".
ونحذر من ذنوب الخلوات التي يقوم بها الإنسان حينما ينظر يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا فلا يرى أحدًا إلا أنه "ينسى" أن يُذّكِر نفسه بالخالق عز وجل الذي يراه ويطلع على كل صغيرة وكبيرة يفعلها.
وينسى الآية الكريمة: "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ".
ويحذرنا الإمام علي كرم الله وجهه: "اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللَّهِ فِي الْخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ"؛ أي أن الله عز وجل يرانا وسيحاسبنا عليها.
قالت لي سيدة إنها لا تصلي إلا في رمضان!!
سألتها؛ وماذا عن الدعاء هل تحرصين عليه في رمضان فقط؟!
ردت بسرعة وهي محتدة: كلا بالطبع أدعو الله طوال العام وأسأله أن يرزقني بغير حساب!!
قلت بهدوء: ماذا تفعلين عندما تفعلين أقل المطلوب منك في العمل؟! هل تطلبين امتيازات؟!
قاطعتني: كيف أفعل ذلك؟! لو استطعت الاختباء تحت المقعد عندما يمر رئيسي بالعمل لفعلت!!
قلت: ولكننا لا نستطيع الاختباء من الرحمن الذي يرانا ويعرف ما نخفيه وما نعلنه وما نفكر فيه وما نشعر به؛ فكيف نجعله سبحانه وتعالى أهون الناظرين؟ ولا نطيعه عز وجل، بل نتعمد المعصية بأنواعها ودرجاتها ونستهين بها "ونبررها"، ونكررها حتى تكون عادة وتلتصق بنا وكأنها جزء من شخصياتنا نأخذها معنا أينما ذهبنا، ويصل بنا الأمر للدفاع عنها.
قيل عن حق: "لا تعبد رمضان بل اعبد رب رمضان"؛ فالرحمن سبحانه وتعالى أمرنا بالعبادات والطاعات في المعاملات طوال العمر، وليس في شهر رمضان فقط، الذي يزداد فيه الثواب!!
ومن الذكاء ألا نفعل مثل الذي فاز بثروة هائلة في شهر رمضان، ثم يتوقف ليس عن السعي لزيادتها فقط، بل لا يحافظ عليها "ويسمح" لها بالتسلل من بين يديه!! ولعله يقول سأعوض ذلك في رمضان القادم؛ وكأنه يضمن بلوغه -متع ربي الجميع بالعمر الطاهر الطويل- وكأنه يتوقع ألا يمتد التكاسل عن العبادات والطاعات بأنواعها ليشمل رمضان القادم.
من الذكاء أن نحرص على أن "يرى" الرحمن منا ما يحبه ويرضيه عنا، "ونجتهد" في إزالة كل ما يتعارض مع ذلك "بحزم" ونطرده بعيدًا عنا أولًا بأول وألا نؤذي ونظلم أنفسنا بتبريره والأسوأ والأشد "ظلمًا" للنفس الزعم بأن الجميع يفعلون هذا الخطأ؛ وكأن الناس لو اجتمعوا على تناول طعام "نعرف" أنه فاسد سنأكل معهم.
من يحترم عمره، ويسعى للسعادة في الدارين، يعش حياته كلها وهو يزرع في قلبه وعقله أن الخالق سبحانه وتعالى يراه دومًا فيعيش ليرى الرحمن منه ما يرضيه عنه، "ويغلق" أبواب ونوافذ التراجع بحزم أولًا بأول، والعكس صحيح.