الأمين المساعد لـ "البحوث الإسلامية" يكتب لـ "بوابة الأهرام".. طريق الأنبياء في تعريف الناس بالله

26-2-2026 | 14:26
الأمين المساعد لـ  البحوث الإسلامية  يكتب لـ  بوابة الأهرام  طريق الأنبياء في تعريف الناس بالله الدكتور محمود الهواري الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية
شيماء عبد الهادي

بقلم الدكتور: محمود الهواري.. الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية

موضوعات مقترحة

أرسل الله تعالى الأنبياء والرسل ليعرّفوا الناس بربهم، ويهدوهم إلى طريق الإيمان به وعبادته وحده لا شريك له. فكانت مهمتهم الأولى والأساسية هي ترسيخ معرفة الله في القلوب والعقول، وتصحيح التصورات المنحرفة عنه، وربط الناس بخالقهم على أساس من التوحيد واليقين. وقد اتسم منهج الأنبياء في التعريف بالله بالحكمة، والتدرج، والجمع بين الدليل العقلي والتأثير القلبي، كما دلّ على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية.

لقد اتفق جميع الأنبياء على دعوة واحدة هي توحيد الله تعالى. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (25).

فهذه الآية تبين أن جوهر رسالة الأنبياء هو تعريف الناس بأن الله واحد مستحق للعبادة.

كما أخبر الله عن دعوة كل نبي لقومه بقوله في سورة الأعراف: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾،

وقد تكررت هذه العبارة في دعوة نوح وهود وصالح وشعيب، مما يدل على وحدة المنهج والغاية.

وهذا يدل على أن أول طريق الأنبياء في تعريف الناس بالله هو تصحيح مفهوم الألوهية، ونفي الشرك، وغرس معنى العبودية الخالصة لله تعالى.

ولم تكن دعوة الأنبياء إلى معرفة الله بتوحيده وعظمته مجرد أمر أو نهي، وإنما استخدم الأنبياء الحجج العقلية لإقناع أقوامهم بوجود الله ووحدانيته، ومن أبرز الأمثلة حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه، كما ورد في سورة الأنعام، حين نظر إلى الكوكب ثم القمر ثم الشمس، وهو ينتقل معهم من معبود باطل إلى معبود باطل ليثبت لهم بالعقل أن الله أعظم من أن يختصر في تصور فاسد أو فكرة منحرفة، وأكبر من أن ينسب إليه عجز أو تقصير، فأقام عليهم الحجة من منطقهم.

وكذلك حاجّ إبراهيم الملك المتكبر الذي آتاه الله الملك فسولت له نفسه أنه إله كما في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ…﴾ (258).

ولما نازع الله في خصائص الإحياء والإماتة قال له إبراهيم عليه السلام مفحما إياه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، فبهت الذي كفر). وهذا دليل على أن الأنبياء خاطبوا العقول وأقاموا البراهين الواضحة.

وكذلك دعا القرآن إلى التفكر في خلق السماوات والأرض، كما في قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (22)،

وهي آيات كان الأنبياء يذكّرون بها أقوامهم ليقودوهم إلى معرفة الله من خلال التأمل في مخلوقاته.

وإلى جانب البرهان العقلي الذي يقتضي التدبر والتأمل اعتمد الأنبياء على مخاطبة القلوب بأسلوب الترغيب في رحمة الله وثوابه، والترهيب من عذابه وعقابه. قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (165)، فالبشارة بكل محبوب في الدنيا والآخرة تقرّب القلوب من الله، والإنذار بالمخاوف في الدنيا والآخرة يوقظها من الغفلة.

ووصف رب العالمين سيدنا محمدا ﷺ بأنه مبشر ونذير، وإن كان هوﷺ حريصا على الرفق وداليا إليه ومؤثرا له، حتى إنه كان يقول: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (متفق عليه)، مما يدل على أن منهجه في تعريف الناس بالله قائم على الرحمة والحكمة.

ولم تتوقف دعوة الأنبياء أقوامهم عند مجرد إقامة الشعائر الظاهرة التي تقدمها الأبدان، وإنما ركّز الأنبياء في دعوتهم على تعريف الناس بصفات الله، وقدرته، وعلمه، وعدله، ورحمته. وجعلوا غاية الشعائر بناء علاقة حيّة بين العبد وربه فالصلاة، والصيام، والزكاة، وغيرها من العبادات، كلها وسائل لتعميق هذه المعرفة.

وزيادة في تقوية أواصر المعرفة بالله، لم تكن دعوة الأنبياء مجرد أقوال، بل جسّدوها في سلوكهم وأخلاقهم، فكانوا هم قدوة في معرفة بأنفسهم، فقد عرّفوا الناس بالله من خلال عبادتهم وخشوعهم وصبرهم. قال الله تعالى عن أنبيائه في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (90).

وكان النبي ﷺ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فلما سُئل عن ذلك قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (متفق عليه). فهذا السلوك العملي يعرّف الناس بعظمة الله واستحقاقه للعبادة والشكر.

وإذن فأنبياء الله عرفوا الناس على ربهم بدعوتهم إلى التوحيد الخالص النقي من الشوائب، وإقامة الحجج العقلية التي تطلق العقل من أسر التفليد والتبعية، كما اعتمدوا على التأثير في القلوب بالترغيب والترهيب، وتقديم القدوة الصالحة. فجمعوا بين مخاطبة العقل وإحياء القلب، وبين البيان النظري والتطبيق العملي.

وهذا المنهج الرباني هو الطريق الأمثل لتعريف الناس بالله في كل زمان ومكان؛ إذ يرسّخ الإيمان على أساس متين من العلم واليقين، ويُثمر سلوكًا مستقيمًا نابعًا من معرفة حقيقية بالله تعالى ومحبته وخشيته.

وعلى الدعاة إلى الله أن يعملوا على هذا المنهج الواضح ليعرف الناس ربهم معرفة مثمرة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة