صاحبوها وتعلموا منها.. رمضان كريم

26-2-2026 | 13:09

انظر حولك وأخبرني بالله عليك: ألا ترى من المواقف والأحداث والشقاء والمعاناة ما يجعلنا ندعو ونبتهل ونرجو الله أن تمر وتنتهي بسرعة، ويكون الخروج الآمن منها هو منتهى غايتنا. 

وهل هناك من لم يمر بتلك المواقف؟ 

بالطبع لا، كلنا هذا الشخص، ولو أعملنا عقولنا وفكرنا قليلاً لفهمنا وأدركنا أن تلك المواقف ما هي إلا مقدمة ضرورية لأمر حتمي دومًا ما يأتي بعدها! لكننا في لحظتها نتمنى أن تمر سريعًا وتنتهي ولا نعي أنها جزء من دورة حياتنا، ولا ندرك أن تلك الأيام محسوبة من عمرنا إلا بعد فوات الأوان. 

عمومًا لا داعي للقلق، فالأيام تمر وسوف تستمر في المرور شئنا ذلك أم أبينا، تلك هي سنتها التي لن تتخلى عنها.
 
وطالما الأمر كذلك فلم لا نصاحبها؟ لم لا نتحمل منها مواقفها الصعبة ونجعلها تمر بهدوء دون أن نبدي لها تذمرنا فتفاجئنا بوجهها الآخر، وما أدراكَ ما هو؟ راجع تاريخك معها وسوف تفهم أنك لن تقدر عليها، لكنها قادرة على تدميرك بمنتهى البساطة إن أنت أصررت على عنادك.

الصعب كثير ومتنوع وله من الأشكال ما لا يخطر على قلب ولا عقل أحد، فهو عاشق للمفاجأة والتجديد! والبشر منهم من يتحمل ومنهم من لا طاقة له بهذا. لذلك أذكر لكم فقط -مما رأيت معي ومع آخرين- موقفًا يتكرر مع الكثيرين، عسى أن ننفع به أحدًا.

من أصعب الأيام التي يمكن أن يمر بها الشباب فترة الغربة والبعد عن الأهل والأصحاب. 

هي فترة بالنسبة لمن عاشها مميزة، ليست الدقيقة ستون ثانية كما تعودناها! بل ليست الثانية مجرد لحظة تمر دون أن نشعر بها، وإنما ساعات طويلة تتحداك بمنتهى القوة والعنف، وكأنها قد حصلت عليك بعد سنوات طويلة من الحرمان. 

المشكلة في تلك الفترة هي ظاهرة الاعتماد على النفس، تلك الظاهرة التي تطل على الكثيرين بشكل لم يألفوه ولم يتوقعوه من قبل. شباب انتهوا للتو من دراستهم وتركوا منازلهم التي كانوا ينعمون فيها بكل شيء وربما تذمروا على الأهل وخرجوا غاضبين ثائرين لمجرد أن أمهاتهم تأخرت في إعداد الطعام أو نسيت وأعدت لهم طعامًا لا يحبونه! فجأة هم مطالبون بخدمة أنفسهم بشكل كامل، مطالبون بغسل الثياب وترتيب الغرف وإحضار الطعام وطهيه وتناوله أيًا ما كان طعمه وشكله. ذهبت أيام الرفاهية، اختفت الأم التي كانت تدلل وتتحايل عليهم لتناول أشهى الطعام، وياليت هذا أعجبهم.

لكنهم الآن في الغربة، وفي الغربة هناك قاعدة واحدة "من أكل على ضرسه نفع نفسه". 

أعترف أننى لم أعانِ من مشكلة خدمة نفسي أثناء غربتي كما رأيت الكثيرين حولي يتألمون ويعانون، فقد عشت أفعل ذلك أثناء فترة دراستي الجامعية، شيء واحد كان يضايقني ويؤرقني دائمًا.. غسيل الثياب. لذلك في بداية الرحلة عندما تحدثت عن تلك المشكلة فوجئت بزميل يبتسم ويبدي استعداده لتولى تلك المهمة، أي أن يقوم بغسيل ثيابي نظير مبلغ من المال.

ومهما وصفت سعادتي عند سماع هذا العرض فلن أوفيه حقه، شعرت أن كل مشكلاتي في الحياة قد تيسرت بفضل من الله. شكرت الزميل وأبديت له منتهى عرفاني بهذا الجميل وعرضت عليه مزيدًا من المال، لكنني فوجئت به يضحك بصوت عالٍ ويقول لي "جرى إيه.. إنت صدقت ولا إيه؟" في الغربة كل شخص يخدم نفسه بنفسه.

ولا أنكر أنني عندما أتذكر تلك المواقف وغيرها - وأنا هنا لا أذكر إلا اليسير منها فقد كان منها ما يتشح بالسواد وقتها وكأنه فقد عزيزًا عليه - أجدني لا أفعل شيئًا سوى أن أبتسم وأتعجب وربما تمنيت أن تعود بشرط أن تعود معها الصحة وراحة البال. 

لكن هيهات، في غربتي -النرويج- كان كل شيء مختلف، اختلاف صعب شديد مهما كانت المغريات، اختلاف صدمني في البداية بمنتهى القوة إلى أن اعتدته وصاحبته في النهاية. لكن صدمتي كانت قوية.. يكفي أن تراني أتساءل: أين النهار؟؟ أين الشمس التي اعتدتها في بلادي؟ تخيل أن يكون موعد آذان الفجر في الثامنة صباحًا، أي وأنت تستقل الأوتوبيس للذهاب إلى عملك! ما هذا؟؟ كل شيء مظلم، الثلج يغطي كل شيء! لا أدري متى أستيقظ ولا متى أنام، حتى بات ذلك واضحًا ظاهرًا في عيوني شديدة الاحمرار والتي لفتت نظر رئيسي في الجامعة. لكنني تعايشت مع الأمر ويومًا بعد يوم أصبحت صديقًا لتلك الظلمة، خرجت إلى الثلج وهو يتساقط وتلقيته على وجهي بابتسامة هادئة حتى تأقلمت معه وصرنا لا نفترق.

لذلك أقول، صدقوني لا تلعنوا المواقف الصعبة في حياتكم، صاحبوها وحاولوا أن تتعلموا منها.. 

كلمات تنقلها إليكم الأيام والليالي وخبرة السنين.. رمضان كريم

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة