وصية نبوية شريفة قرأت حروفها بكل جوارحي، بعد أن لمست قلبي كما لم تلمسه من قبل، جاءت في وقت تداعت فيه الفتن، تنوعت الشرور فيه وتعددت، نالت من أغلبنا ما نالت، وأخذت منهم كل مأخذ، لقد تجلت عظمة هذه الوصية النبوية، ارتفع قدرها وعلت قيمتها، قيمتها المستمدة من سمو وعظمة قائلها نبينا "محمد" صلى الله عليه وسلم.
عندما رفعت الفتن راياتها عاليًا، بدت سوداء كقطع الليل المظلمة، سوادء هي كقلوب من صنعوها، من روجوا لها من عملوا بكل السبل على انتشارها، سعوا جاهدين لهذا، قاموا بنشرها على أوسع نطاق، وبأقصى سرعة ممكنة، هذا هو قدرنا الذي قدره الله لنا أن نحيا في ظل زمن ظننا أنه سيصادف أجيالًا أخرى ستأتي من بعدنا.
إن اختلطت الآراء أو اختلفت فهذا لا ضير فيه مادام هذا الاختلاط أو الاختلاف يأتي في شأن دنيوي عادي وحسب، فالاختلاف في وجهات النظر طابع بشري خالص، ظهر منذ بداية الخلق ولم يزل باقيًا إلى اليوم وإلى الأبد، إنها قاعدة أصيلة تعلمناها وحفظنا عن ظهر قلب تفاصيلها، ستبقى هكذا مادامت لا تسبب ضررًا، ما دام هناك حد فاصل يفصل بين كل ثابت ومتغير، ممكن وجائز، لا يفسد للود قضية.
يبقى الاختلاف جائزًا في كل شأن دنيوي كما نعلم، كل أمر يحتمل الصواب والخطأ، أمر قد يخضع لبعض الجدل، بشرط أن يتوقف فورًا إذا ما مس دينًا أو عقيدة، شريعة منزلة أمرنا الله بتطبيقها والعمل بحسب ما اشتملت عليه، بمنطق لا يخضع لتلبيس حق بباطل.
الابتعاد إذن هو سبيل النجاة الوحيد، والوحدة ستصبح هي السكن وهي المأوى لمن أزعجته تغيرات الزمن، تستعر نيران فتنته، التي راحت تبسط على البعض سيطرتها، نفوس تجلس على عروش الهوى راضية مطمئنة، لا تخشى لومًا، تتناسى حساب يوم لا تغني عنهم فيه أموال ولا ذرية، في يوم لا ينفع فيه الندم.
كنا في الماضي لا نخشى من الاختلاط، كنا نرى فيه وسيلة للتعلم، فرصة لتبادل الخبرات، نحصد الاهتمام والحب ونواجه بهما العالم، نتمتع بقلب طيب لا يظن ولا يرتاب، وفجأة تغيرت المعايير وتهدمت بعض القيم، سكن الخوف قلوبنا حين انتزعت الرحمة من قلوب البعض.
لذا فقد وجب علينا اتخاذ قرار لم نكن لنفضله، قرار التجنب والابتعاد، خشية من فتنة طالت مجتمعنا، جلبها إليه من نسوا يوم الحساب، من نسوا نصيبهم من عذاب قادم وحظهم من سوء خاتمة.