هناك أعمالًا درامية لا تفرض نفسها فقط على الساحة وسط كثير من المعروض ولكن تجبرنا على التعامل معها باعتبارها "سيمفونية" متفردة اللحن، "عين سحرية" واحدة من تلك الأعمال التي تعزف بإيقاع يشبه حالة الأوركسترا التي تتناغم فيها جميع الآلات لتخرج لحنًا مهيبًا يظل عالقًا بالأذن.
موضوعات مقترحة
السدير مسعود.. وعينه السحرية
يمثل مسلسل "عين سحرية" سيمفونية لحنية يقودها ثلاثة وجوه "المخرج السدير مسعود، الفنان عصام عمر، الفنان باسم سمرة"، والحقيقة أن اسم المسلسل برغم كونه معبرًا عن حالة التشويق والإثارة التي يكتشف معها تشريح خاص وناعم للمجتمع لكني اعتبر أن المخرج السدير مسعود يتقاسم اسم العمل أيضًا، فهو صاحب عين سحرية متفردة، يستطيع أن يحكي قصته في أكبر تكثيف زمني ومرئي على الشاشة في كادرات محملة بالتشويق الذي يفرض التساؤلات ويبرز مدى قدرته على توظيف أبطاله في مشاهد تخدم النص وتمتع المشاهد، لا لمجرد استعراض موهبته كمخرج يستطيع أن يفعل هذا وذاك، فكل لقطة لدى السدير مسعود محسوبة الإيقاع والتفاصيل.
يمنح السدير مسعود في مسلسل "عين سحرية" لغة بصرية تتماشى مع إيقاع العمل الذي يعيش فيه المشاهد رحلة البطلان الذي يبدو أن القدر لم يضعهما صدفة في حياة بعضهما الآخر، يتقاطعان معًا في ظروف حياتية يسخر فيها الماضي أساسًا لبناء تلك العلاقة بين شاب يعمل فني كاميرات ومحامي يتمتع بالذكاء يخوضان معًا رحلة على طريقة "روبن هود" لتحقيق العدالة.
لدى السدير مسعود "عينًا سحرية" بداية من فكرة اختياره لأبطاله عصام عمر وباسم سمرة وإدراكه الواعي لقواعد لعبة المشاهدة التي ستجعل بين النجمان كيمياء خاصة على الشاشة، فالأول نجم ثلاثيني بات يستحوذ على قاعدة جماهيرية كبيرة في السنوات الأخيرة من فئات عمرية مختلفة بل أنه بات "البطل الشعبي" بمفهومه الطبيعي لدى أبناء الطبقة المتوسطة، ويقابله النجم باسم سمرة صاحب الأداء الطازج المتجدد بين كل شخصية وآخرى.
ولا أعرف إذا كان هناك اختيارًا صائباً أكثر من السدير مسعود لإخراج هذا المشروع، فهو مخرج يجيد الربط بين مطاردة ماضي أبطاله وحاضرهم في مشاهد سينمائية تترجمها كادراته بألق كبير يعتمد فيها ترجمة الحوار بلغة العيون، فسبق للمخرج السوري الأصل تقديمه لمسلسل "موعد مع الماضي" الذي قدم معالجة لنظيره المكسيكي "من قتل سارة" وكان الربط بين الماضي والحاضر لأبطاله هو البناء السردي لأحداثه، هنا ظهر أسلوب السرد الرشيق الذي جعل السدير مسعود يحكي الأحداث بلغة عيون أبطاله والتي كانت تحمل صراعًا انتقاميًا لتصفية الحسابات عما خلفه الماضي، وهنا في "عين سحرية" يعود السدير مسعود في سرد رشيق لبطلي قصته في " كريشندو موسيقي" يضع المشاهد في لعبة "تشبه البينج بونج" تبدأ بكادر مواجهة في نهاية الحلقة الأولى بين "عادل" و"زكي" يمثل التأسيس والتعارف بين الطرفين، ويتوالى ذلك بمشاهد يرتكز فيها على لغة العيون بينهما في مشاهد تحمل قدرًا كبيرا من التشويق والإثارة التي تطرح التساؤلات عن ماضي كلاهما وربطه بمفهوم تحقيق العدالة أو الانتقام.
اختار السدير مسعود في "عين سحرية" كادرات غلب عليها بالتة لونية بين الأزرق والأسود تتدرج بحسب طبيعة المشهد، وإن كانت تلك الألوان الأنسب لطبيعة السرد الدرامي للأحداث في هذا العمل، فالمشاهد أغلبها في المساء الذي يحمل معه الأسرار دائمًا ويكشف عن العوالم الداخلية لأبطال القصة، وهناك مشاهد في "عين سحرية" تقترب فيها المسافات بين "عادل" و"زكي" لعل أبرزها "ماستر سين" حكي فيها كلاهما عن أوجاعهما من الماضي فالأول يهرب من "وصمة عار" لماضي والده الذي كان مسجونًا قبل رحيله، أما الثاني فيعيش الوجع ذاته حيث نجده يجلس كمريض نفسي أمام ابنته الطبيبة التي لا يستطيع مصارحتها بحقيقة أبوته لها حيث كان مسجونًا هو الآخر، وفي هذا المشهد الذي غلب عليه الزرقة اللونية وكأنها حلم يسترجع فيه كلاهما الماضي بسرده، ترتكز كاميرا السدير مسعود على تعبيرات وتقاسيم الوجه والأعين المفعمة بالدموع وكأنها هي التي تحكي عن ذلك الوجع، وهو ما يمثل احترافية الأداء لدى المخرج وأبطاله وهو بالمناسبة أحد أصعب أنواع التعبير لدى الممثل والمخرج أيضًا الذي يترجم ذلك على الشاشة.
يتجول السدير مسعود بكاميراته داخل شوارع وسط المدينة وكأنه ابنَا عاش وسط أحياءها يعلمها جيدًا للدرجة التي تجعل مقابلات أبطاله تتم في مسمط شعبي، وليس هذا فقط بل أن مخرج "عين سحرية" يستكشف واقع المجتمع في كادرات تقدم تشريحًا دقيقًا ولا تعبر فقط عن واقع المجتمع، فعادل "عصام عمر" يجلس دائمًا فوق سطح منزله وكأنه يريد مساحة للتنفس وسط المباني الضخمة التي تمثل علاقته بالواقع الذي لا يشعر فيه بالراحة ويهرب فيه لمساحات آمنة مع صديقه "أحمد بيلا - توحة" أحد الوجوه المميزة في دراما رمضان هذا العام ،وكذلك باسم سمرة الذي يطل من نافذته الصغيرة بغرفة في بنسيون على العوالم المحيطة بِه والتي تثير تفكيره بلاشك حول مجتمع الأثرياء وضرورة الثأر منهم لصالح تحقيق العدالة الاجتماعية.
عصام عمر وباسم سمرة..ثنائية اللعب مع المشاهد
قبل انطلاق المارثون الرمضاني، سمعت كثيرّا عن الحالة الاستثنائية التي يصنعها الثنائي عصام عمر وباسم سمرة داخل هذا العمل، والإشادات بأداء كلاهما لكن على عكس ما شهدته الحلقات الأولى جاءت تلك الثنائية لتعوض حالة مفقودة في الأداء التمثيلي لأبطال الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة، ثنائية تجبر المشاهد على الدخول في لعبة المبارزة ين بطلي العمل الذي يكمل كلًا منهما الآخر في كيمياء ربما لم نشاهدها في أعمال جمعت صناعها أكثر من مرة، تلك الثنائية التي بحث فيها كلاهما عن المفقود في حياته لدى الطرف الآخر "أب يبحث عن ابن، وابن يبحث عن أب"
عصام عمر، النجم الذي كسر حواجز البطل التقليدي الذي تخطفه أضواء الشهرة، فكل خطوة لديه مدروسة جيدًا، تكشف عن ذكاءه ووعيه في اختيار ما يدعم ويؤسس علاقته مع جمهور الشارع المنتمي للطبقة المتوسطة والتي أغفلتها الدراما لسنوات طويلة، فقد جاء عصام ليتصدر تلك المساحة بوعي يكشف عن موهبته التي بات يطوعها بين ألوان درامية متعددة بين الدراما والكوميديا وأخيرًا الإثارة والأكشن بمفهوم الشاب المنتمي لتلك الشريحة الاجتماعية.
لا يمثل "عين سحرية"مجرد مشروع درامي في مشوار عصام عمر الفني فحسب ولكن هو نقطة تحول فاصلة وفارقة في رحلته، فمع تصاعد أسهمه في الشارع المصري وتفاعل الجمهور معه عبر منصات التواصل الاجتماعي، يؤسس عصام عمر لفكرة مفهوم البطل الشعبي برؤى جديدة وهادئة تبتعد عن مقومات السوق المعتادة، ولاشك أنه سيشكل تجربة جديدة في تقديم أدوار يتولى فيها مهمة التعبير عن هموم وأزمات أبناء جيله.
النجاح الأخير والأصداء الواسعة التي حصدها عصام عمر مؤخرًا تشير أيضًا أننا أمام نجم سيغير قواعد لعبة المشاهدة التي لربما انحصرت بين نجوم بعينها استحوذت عليها في السنوات الماضية، خصوصًا وأن الأداء السلس المتماهي مع روح شخصياته الإنسانية والشعبية البسيطة التي يقدمها من عمل إلى آخر يؤكد فيها على بناء قوي بينه وبين المشاهد في الشارع المصري.
أما باسم سمرة فهو مفاجأة وهدية دراما رمضان هذا العام، بل أن شخصية "زكي" تعيد رونق وألق تواجده على الساحة الفنية، فكم كان هو بحاجة لدور يعيد اكتشاف مخزون الموهبة المتجدد لديه باستمرار بعيدًا عن حصره في تركيبة أدوار بعينها ربما يتشابه بعضها مع الآخر، والحقيقة أن باسم سمرة كان بحاجة للمشاركة في عمل يجدد معه الروح والدماء مع نجم شاب يستطيع أن يخلق معه كيمياء مختلفة في الروح والأداء وهو ما حدث هنا في "عين سحرية".
منح باسم سمرة شخصية المحامي "زكي" روحًا خاصة جعلت منه شخصية مؤثرة لابد أن يتفاعل معها المشاهد، والأكثر تميزًا في حالة باسم مرة هنا، الأداء باستخدام عضلات الوجه والعين التي يطوعها بين مشاهد الانتقام والألم الداخلي بسلاسة لا تحمل معها أي افتعال ومبالغة في الأداء، ويقابل ذلك الروح التي منحها ل عصام عمر لتخرج المشاهد بينهما مثل لعبة "البينج بونج" تتابع فيها أعين المشاهد كلاهما باستحواذ واهتمام تام في المشاهدة.
"عين سحرية" هو مفاجأة الموسم الدرامي لرمضان ٢٠٢٦، عمل يعيد حسابات كثيرة في صناعة العمل الدرامي على صعيد التنفيذ والإتقان وتقديم الأكشن السلس غير المبالغ فيه بمقومات البطل الشعبي الذي يشبه الأشخاص العادية التي لا تتمتع بقواعد خارقة للطبيعة كما باتت عدد من الأعمال تقدم نفسها للجمهور بكونها عمل درامي شعبي في السنوات الأخيرة، ويعيد العمل إعادة بناء قواعد المشاهد الحقيقية الخالية من أي مزاعم للترويج المبالغ فيه للاستحواذ على المشاهدة ليكتب العمل معه تغييرًا في هذا المفهوم في السنوات المقبلة باعتباره نموذجًا للدراما الشعبية التي فرضت نجاحها باجتهادها صناعها الشخصي الذي وصلت أصداؤه مع الجمهور البسيط في الشارع.
مسلسل عين سحرية
مسلسل عين سحرية
مسلسل عين سحرية
مسلسل عين سحرية
مسلسل عين سحرية
مسلسل عين سحرية
مسلسل عين سحرية
مسلسل عين سحرية