العمالة أو الخيانة أو موالاة العدو هي حرب خفية موازية للحرب التقليدية، لا يستغني عنها طرفا أي صراع، فهي السلاح الخفي والمؤثر وهي حرب قديمة حاضرة في كل المواجهات والصراعات، فالعملاء هم عيون الأعداء داخل الناس وهم بمثابة الأقمار الصناعية المصغرة التي يكشفون من خلالها ويبحثون عن أهدافهم، وهم يشكلون هيكلًا معاديًا للجبهات الداخلية، وهم أشد خطرًا من الجبهات والمواجهات الخارجية، فمن استطاع أن ينتصر على نفسه، فإنه يستطيع أن ينتصر على الأعداء الآخرين.
هي حرب تستوعب كل المعاني والعبارات والدلالات والمسميات، إلا أنها ليست حربًا مادية ملموسة أو ملحوظة، وهي لا توقيت لبدايتها أو نهايتها، وغالبًا لا يعرف منفذوها، فهم كالأشباح، فهي مستمرة قبل وبعد وأثناء الحرب التقليدية، المحددة الزمان والمكان.
هي أيضًا حرب المعلومات، والوصول إلى أسرار العدو، حتى لو انتهى الصراع، فلا بأس من الاستقواء بجمع المعلومات واستخدامها في حالة الضرورة، فالمعلومة لا تقل أهمية عن الدبابة والطائرة وحاملة الطائرات، حيث حرب المعلومات قد تكون احيانًا، أشد خطرًا باعتبارها غير مباشرة، ومن الصعب مواجهتها أو احتواؤها، كما هو الحال مع القوة المادية المباشرة.
والحديث عن الاختراق لطرفي الصراع، لا يعتمد على ما إذا كان الطرف الآخر مخترقًا أم لا، فالسؤال ليس في الاختراق، باعتباره أمرًا مسلمًا به، ولكن التساؤل يتركز عن حجم هذا الاختراق وتداعياته، وهي كذلك حرب "الخيانة"، التي هي أحد أسلحة العدو لتفكيك المجتمع والوصول إلى الأهداف وتنفيذها بسهولة.
وتظل القضية المحورية للعالمين العربي والإسلامي هي احتلال الصهاينة لفلسطين، فقد تمكن الصهاينة من احتلالها، ليس لقوتهم بقدر مساندة من يوالي هؤلاء الصهاينة من جانب، وضعف العالم العربي والإسلامي من جانب آخر، فضلا عن قناعة الصهاينة بعدم حدوث رد فعل عربي أو إسلامي، لكل ما يقومون به من اعتداءات وعمليات الإبادة والقتل اليومية، إضافة إلى الاعتداء على المسجد الأقصى والمقدسات الدينية، فقد عانت فلسطين كثيرًا بسبب الموالاة للمحتل.
والمتأمل لحالها، لا يخفى عليه أنه على مدى يقترب من 80 عامًا، ورغم مساندة الإمبراطورية البريطانية، ومن بعدها الأمريكية للصهاينة، إلا أن قضية احتلال فلسطين مازالت مشتعلة، ليس بقوة من الصهاينة بقدر ما يقابلهم من ضعف وموالاة ومؤيدين لهم من الجانب الآخر.
وقد شكل جهاز "مجد" الأمني، الذي أسسه الشهيد يحيى السنوار في الثمانينيات لمكافحة التجسس وملاحقة العملاء، تطورًا مهمًا في تطهير صفوف المقاومة الفلسطينية ممن يساعدون الصهاينة.
يقول المفكر والنائب البريطاني جورج جالاوي: "من العجيب أنني كبريطاني استطعت أن أعبر الوطن العربي من شرقه لغربه دون أن أحتاج لتأشيرة، بينما يحتاج العربي لتأشيـرة قد لا يحصل عليها لعبور تلك الحدود من دولة عربية لدولة عربية، لَيتَكُم تعلمون أن حدودكم هي عليكم فقط ولا تسري علينا، وأن أوطانكم وأعـلامكم كلها من صنعنا نحن".
ويفند الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، المزاعم الصهيونية التي تقول بأنه لا سبيل لإنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، قائلا: "اعتقادي الجازم هو أن كل احتلال إلى زوال..اسألوا المستعمرين على مر القرون، لتعلموا أن الزوال هو مصير المعتدين، وأن كل قوة متسلطة - كما قال ابن خلدون - محكوم عليها بالانحطاط، وأنا أؤمن بأن الله القادر عالم الغيب جعل لهذا الكون سننًا، ومن أولى - وربما من أكبر - هذه السنن والقوانين هو أن دولة الظلم ساعة، ولا يوجد استعمار استمر، ولا بد للقهر والغطرسة من نهاية حتمية، وهذه القاعدة الإلهية لا تتبدل على الإطلاق"، وأن الصهاينة -ومَن خلفهم ومَن يعاونهم- ظلمة معتدون، وأن الله -جل وعلا- يمهل لهم ليطبق فيهم قول رسوله ﷺ "إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ".
عندما حدثت في المواجهة، مؤخرًا بين إيران والكيان الصهيوني بمساندة الولايات المتحدة، فقد بدأت مبكرًا، الحرب الموازية، قبل أن تتحرك القوات والقاذفات والصواريخ والبوارج وحاملات الطائرات، فالعملاء ومن "والاهم"، هم أشد خطرًا من كافة الأسلحة الحربية، ولا تتوقف أنباء إلقاء القبض على عملاء، خلال الصراع بين أطراف الحرب في كل مكان، وحرب العملاء والجواسيس هي المواجهة الأولى والراهنة والمستمرة، ولا زالت السلطات الإيرانية تعتقل العشرات من "العملاء" و"المرتزقة" و"الخونة" الموالين لعدوها.
وتزداد المواجهات بين طرفي أي صراع تعقيدًا مع دخول طائرات الدرون، أو المسيرات، ودخول الذكاء الاصطناعي منافسًا للجاسوس البشري أحيانًا، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي عبر"الإنترنت"، وهي عناصر قد تساهم في حسم نتائج المعارك بشكل مؤثر.
وفي الوقت الذي تتشكل فيه مهارات وتتحول أنشطة جديدة إلى مهن واقعية، كما تولدت عن وسائل ومواقع الإعلام الإلكتروني الحديث، حالة "الصحفي المواطن"، فمن المتوقع أن يعتمد أطراف الصراع على المواطن بشكل ملحوظ للكشف عن عملاء الداخل ومن والاهم، فقد ناشدت الحكومة الإيرانية مواطنيها بالمساعدة لملاحظة أسطح منازلهم للمساعدة في الكشف عن الطائرات المسيرة، وإبلاغ السلطات.
تخيل أن العدو لا يقف على حدودك المرئية، بل يقيم ويستوطن في أحشائك غير المرئية.. هناك قول مأثور معبر عن هؤلاء المتعاونين مع العدو ضد أمتهم: "اذا كان معك 10 رصاصات فاحتفظ بتسع منها ضد خونة الداخل المتعاونين مع العدو، أما الطلقة العاشرة فاحتفظ بها لعدوك".
[email protected]