أمين عام البحوث الإسلامية يكتب لـ"بوابة الأهرام": تتبع العورات وخطره المجتمعي

24-2-2026 | 13:25
أمين عام البحوث الإسلامية يكتب لـ بوابة الأهرام  تتبع العورات وخطره المجتمعيالدكتور محمد عبد الدايم الجندي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية

بقلم أ.د. محمد عبد الدايم الجندي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية. 

موضوعات مقترحة

يعيش العالم اليوم  طفرة تقنية جامحة مجنونة تحتاج عند تسنمها إلى تقنين وترشيد وتقويم، فعلى الرغم من فوائدها الحضارية إلا أنها تمثل أحيانًا انتكاسة أخلاقية تغرق في ظلماتها من توغل غياهب الغفلة وسار في لظاها، وارتكس في ظلمات النفس واتبع هواها، ويتصدر مشهد تعكير صفو المجتمع الآمن المستكين تتبع العورات والإلحاد المر عبر قنوات التقنية ووسائلها، فقد تطور بتطورها، وبدت ظواهره بقوة ومن ذلك:

 أولًا- التجسس على العورات بالوسائل التقنية:

 «التجسُّس -بالجيم- يكون بالسؤال، وبالحاء يكون بالاطلاع والنظر، والتجسُّس -أي: بالجيم- في تطلُّع الأخبار، والتحسُّس بالمراقبة بالعين» ويكون: «بالتفتيش عن بواطن الأمور»، و«التجسس: التطلب مع اختفاء وتستر».

والتجسس باستخدام التقنية ووسائل الاتصال الافتراضية يتناغم تماما مع التجسس على أرض الواقع الحقيقي، وهو شكل من أشكال تتبع عورات الناس، ويكون أحيانًا بكاميرات لتتبع العورات، أو بالاطلاع على مكتوبات الناس ووثائقهم وأسرارهم دون إذن منهم، كما أتاح الإنترنت -عبر برامج معينة- التنقيب حول معلومات شخصية يتوهم الكاتب حذفها، وهو أمر جد خطير.

والتجسس الإلكتروني أصبح يصيب بالذعر والفزع، فوسائله أضحت متاحة؛ إذ أصبحت الشبكة العالمية اليوم تضم مجموعة من الأنشطة والخدمات المختلفة، فهي بنية تحتية للاتصالات وهو سر تسميتها بالشبكة العنكبوتية.

ويقوم بعملية التجسس الاجتماعي هواة الترنم بعورات الناس في ساحات الشات والمنتديات: «ومما لا شك فيه أنهم يمتلكون أدوات المعرفة التقنية، التي توجه للنيل من الحق في المعلومات، وتطال اعتداءاتها معطيات الكمبيوتر المخزونة والمعلومات المنقولة وفي مقدمتها الانترنت».

 وهذا يظهر لنا إمكانية التجسس على العورات بسهولة خارقة، ويكشف لنا مدى خطورة هذه الجرائم الأخلاقية التي تطال المجتمع وتمس الحياة الخاصة، والأسرية للأفراد، وتهدد الأمن والاستقرار، ويتجلى من صور التجسس الاجتماعي ما يسمى بـ «الاختراقات: وهي النفاذ إلى مواقع وعقول الحاسبات الآلية المحصنة أمنيًّا والممنوعة تقنيًّا»، وهي من أخطر صور التجسس التقني.

ثانيًا- الغيبة والنميمة والتشهير الإليكتروني:

أصبح من السهل جدًا ممارسة الغيبة والنميمة والتشهير الإلكتروني، فبمجرد بث معلومات مغرضة على شبكة التواصل يتحول الخبر في الحال إلى إشاعة يترنم بها الفرد مع الفرد، والفرد مع الجماعة، والجماعة مع الجماعة؛ بل من الممكن أن يتسع الأمـر من حدود الإقليمية إلى العالمية، فــترويج «الإنترنت معروف بأنه عابر للحدود التي تقع على شبكة الإنترنت أو بواسطتها من قبل الشخص ذي الدراية» فهو الذي يسهل عليه نشر المعلومات وتدويلها بكل سهولة.

وقد ينتهج المشهرون عبر مواقع التواصل ووسائل الاتصال المتنوعة سبلًا للضغط على المستهدف بالتشهير، ومنها:

أولًا- المضايقة والملاحقة: وتتمثل في الابتزاز والتهديد والوعيد عبر ما يسمى بالمسجات (الرسائل) التي تستهدف إثارة الرعب النفسي والاجتماعي بالضحية، وقد ينبثق هذا الابتزاز من الرغبة في جمع الأموال.

ثانيًا- الإغراء والاستدراج: وتتم من خلال استدراج الضحية بإقامة علاقات مصلحية مضمونها سحب الضحية إلى تحقيق أغراض شخصية باستخدام وسائل التقنية في تنفيذها والوصول إليها بطريقة غير مكشوفة وغامضة.

 ثالثًا- التشهير وتشويه السمعة بنشر الأسرار: حيث يقوم المجرم بنشر معلومات قد تكون سرية أو مضللة أو مغلوطة عن ضحيته، والذي قد يكون فردًا أو جماعة أو مجتمعًا أو دينًا أو مؤسسة تجارية أو سياسية.

ويمكن القول بعد عرض هذه الصور الاستقطابية نحو الانزلاق للتشهير والفضيحة بـ «أن التقنية الحديثة في المعلومات وفي الاتصالات قد أدت إلى طفرة كبيرة في الحياة الاجتماعية مع عدم تهيئة واستعداد المجتمع للتعامل معها مما يؤدي إلى حدوث مشكلات اجتماعية وسلوكية وأخلاقية تؤدي إلى تهديد كيان المجتمع».


من أخطار تتبع العورات على المجتمع:

في ظل تطور وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات؛ أضحى العالم كقرية صغيرة، وأصبحت هذه الوسائل مسخرة في تتبع عورات الناس وملاحقة أخبارهم وكشف سترهم، بل وابتزازهم أحيانا ، بل ومناقشة عورات الناس وتناولها بوضعية انحرافية تؤدي إلى تدهور منظومة المكارم والقيم، «ونظرا لاندماج الفرد كلية في الاتصال مع أشخاص آخرين وتداول خصوصيات الناس وخصوصًا النسائية منها، فإنه بالطبع يشيع من خلال ذلك اتساع دائرة التخلي عن السلوك الحسن، لتحل محله سلوكيات غيرها، ولهذا يحذر المختصون في الاتصالات الإلكترونية على الأطفال والمراهقين ومن إمكانية انحراف سلوكياتهم وأخلاقهم».
ومن أهم الأخطار الاجتماعية السلبية في باب الأخلاق يتجلى خطرين عظيمين:

الأول- إشاعة الفاحشة في المجتمع:

حيث يسير أصحاب الهوى في الترويج للفاحشة في المجتمعات، لتدمير رواسخ الأخلاق والقيم التي هي بمثابة الأوتاد الداعمة لبقاء الأمم ونهضتها، فبعض المرضى يصوبون كاميرات التصوير بمختلف أشكالها ودقة صناعتها إلى النساء في المحافل النسائية عبر طرق تحايلية، حيث يزرعون كاميرات بتقنية عالية تبث لهم ما يدور خلف الجدران وفي معازل النساء، وينشرون الصور على مواقع التواصل ومواقع رفع الصور والفيديوهات على الشبكة الدولية؛ مما يعكر صفو المجتمع، ويكدر حالة الوئام والانسجام والإلف التي تشعر أفراده بالإخاء والمودة، حيث إن تصوير النساء بكاميرات الجوال وغيرها وما يتبع ذلك من تداول لصورهن سبب كبير في تتبع عورات الآمنات في أسرابهن، وإشاعة الفاحشة في المجتمع.

والذين يعمدون إلى تداول تلك الصور ونشرها يساعدون على هدم الفضيلة في المجتمع ونشر الرذيلة ... ولهذا توعد الله من سعى في ذلك وتسبب فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور: 19).

ويمثل التصاعد التقني تحديًا عظيمًا لجوانب العفاف والستر في المجتمعات رغم كثرة إيجابياته في هذا العصر، حيث نرى فيه السباق المحموم لنقل الأخبار والأحداث ساعةً بساعة؛ بل لحظة بلحظة، في عالم قد اتّصل شرقه بغربه وتقارب أقصاه من أدناه، تملأ سماءه فضائيات وقنوات وتغصّ أرضه بشبكة المعلومات العالمية المسماة بالإنترنت، ومما يتميز به انتهاك العورات في تمزيقه أواصر المجتمعات أنه يدير معركة هو فقط المنتصر فيها، فوسيلته شيطانية في صناعة اللداد «ولا أثر في هذه المعركة لأي عنف أو دماء، وإنما مجرد تناول معلومات وبيانات من السجلات المخزونة في ذاكرة الحاسبات الآلية» كفيل بمهمة اجتماعية خطيرة تفرج ولا تجمع.

وليس في ذلك رفض للتقدم التقني والعلمي، ولكن رفض لاستعمال ما أنتجه العلم في دمار الأمم والمجتمعات، فإن العلم إذا انفلت عن مقاصده وضوابطه فإنه يفْسُدُ ويُفْسِدُ، ولو ظَنَّ أهله أنهم قادرون عليه، ولقد أنعم الله تعالى على الناس بنعمة الاتصال والمعرفة لِتُحَقِّق لهم المنافع، لا لتجلب لهم المفاسد، فمقاطع الفيديو والصوت والصور المسربة عن طريق تتبع العورات خفية؛ تخدش الحياء وتأبى الفطرة السليمة أن تراها لفتيات مؤمنات غافلات، أصبحن ضحايا لهذه المناظر المؤلمة بسبب سوء استخدام التقنية المعاصرة، وتوجيه مسارها نحو الهدم القيمي والدمار المجتمعي، وعلى رأسها إساءة استخدام الهاتف الجوال المزود بالكاميرا من بعض الشباب الذين يلاحقون الفتيات ويتبادلون فيما بينهم صورًا خاصة.

الثاني- رمي المحصنات المؤمنات الغافلات وإيذاؤهن وتشويه صورتهن في المجتمع:

إن توجيه أفواه الكاميرات وبطون المنتديات ووسائل التواصل إلى عورات الناس يمثل جريمة كبرى في حق المجتمع، لذلك قال الله {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (الأحزاب: 58). ولا يوجد ثم إيذاء من هذا الانتهاك.

خطر تتبع العورات على العلاقات الاجتماعية:

 إن لجوالات الجيل الثالث وما بعده بتطورها الفائق، وللحاسب الآلي وللأنظمة على مختلف مظهرها كل ذلك يعد من مزايا مجال الاتصالات والتراسل وإجراء المكالمات الهاتفية الدولية والاتصالات البريدية، ولكن لم تنج هذه التقنيات الحديثة من استعمالها في تتبع عورات الناس ونشر سيرهم وكشف عوراتهم، حيث يقوم بعض الشباب والأفراد باستثمار المخترعات والمكتشفات الحديثة في سلبيات وآفات وشر مستطير، وقد سمحت التقنية بذلك، فهي تتيح نقل المعلومات والملفات والصور بين جهازين يمتلكان نفس التقنية لاسلكيًّا، الأمر الذي أدى إلى عواقب وخيمة على الأسرة والمجتمع، بعد انتشار المقاطع والصور المسروقة خلسة، وذلك «يهدد بشكل مباشر كيان العلاقات الحقيقية، ويحدث قطيعة بين الأفراد، مما يؤدي إلى زوال النسيج الاجتماعي التقليدي، وحدوث نسيج ركيك محله»، وكل ذلك بسبب غياب الوازع الديني أو غفلة الرقيب أو انشغاله.

 وقد «نشرت جريدة الحياة اللندنية تقريرًا يفيد بأن 99% من الرسائل المتداولة عبر البلوتوث كسرت حاجز المحرمات الاجتماعية والعادات والتقاليد، لافتًا إلى أن البلوتوث أصبح أداة آمنة للتعارف بين الجنسين، خصوصًا في محيط العوائل المحافظة التي لا تؤيد التعارف قبل الزواج، وأشار التقرير إلى أن 22% من الفتيات اللاتي أجريت عليهن الدراسة يرسلن مقاطع إباحية و88% يرسلن ويستقبلن». 

ومن أبشع صور ممارسات التتبع التقني لعورات الناس؛ تصوير النساء بكاميرات الجوال وغيرها وما يتبع ذلك من تداول صورهن؛ وسبب ذلك أن النفوس إذا هتكت حجاب العفة وتجاوزت حدود الأدب لذا فإنها تطمح لما وراء ذلك من سوء الأخلاق، والذين يعمدون إلى تداول تلك الصور ونشرها يساعدون على هدم الفضيلة ونشر الرذيلة في المجتمع.

 ويتكئ في المقابل أعداء الإسلام على أرائكهم ليطالعوا وسائل تحقق لهم مخططاتهم دون أدنى تعب أو عناء، ومما يؤيد ذلك قول الصهاينة في البروتوكول الثالث عشر: «ولكي نبعد الجماهير عن أن تكشف بأنفسها أي خط عمل جديد سنلهيها أيضًا بأنواع شتي من الملاهي والألعاب ومزجيات الفراغ والمجامع العامة، وهلم جرًا».

وللأسف الشديد استولى هذا الاستعمال السيئ لوسائل الاتصال على كثير من الممارسات الشبابية، واستغلت تلك الوسائل استغلالًا سيئًا بدلًا من الاستفادة منها فيما
وقد تهددت العلاقات الاجتماعية الحميمة مع تطور وسائل التواصل والتقنية، وكونها أصبحت في متناول الجميع، فمثلًا الجوال الذي استهوته أيدي الكثير حتى الصغار، فيه آلة تسجيل سمعية ومرئية وآلة تصوير، أصبح آلة تجسس لدى بعض المراهقين والمراهقات يبحث عن الأخبار الخاصة للآخرين، ويخترق الكيان الخاص لبعض الأشخاص، ويذيع تصرفاتهم وممارساتهم الخاصة، وغير ذلك مما لا يحب أن يطلع عليه أحد، سعيًا وراء معرفة أسراره وما يريد إخفاءه.

ومن أخطر صور الجرائم المعلوماتية على العلاقات الاجتماعية ما يأتي:


أولًا: «قيام بعض الأشخاص بسرقة المعلومات من ذاكرة الهاتف المحمول بحجة الصيانة والقيام بنشرها والتي قد تضم في داخلها ملفات لصور وحفلات ومناسبات عائلية خاصة ولأسر محافظة» وتناقلها بأسلوب فاضح وبدون معرفة لهم، مما يشكل تهديدًا لهم في نظر المجتمع خصوصًا وأنهم عوائل تتسم بالمحافظة والالتزام الأخلاقي في المجتمع.


ثانيًا: القيام بعملية المونتاج لبعض الصور واللقطات للفتيات وبتقنية متطورة وغير مكشوفة بتركيب بعض الأشكال والصور والأفلام التي يصعب على الأفراد العاديين اكتشافها، ويعد فاعلها في حكم المجرم.


ثالثا: القيام بالتحريض ونشر الشائعات حول بعض القضايا والمشكلات الخاصة بالأفراد والأسر وذلك لتحقيق أهداف شخصية.
و«يمكننا القول بأن جميع هذه السلوكيات يمكن وصفها بالجرائم الاجتماعية وذلك لخطورتها وضررها الكبير على الفرد والمجتمع وخصوصا وأننا مجتمعات عربية إسلامية تعتز بقيمها وعاداتها وتقاليدها التي تحكمها وتضبط سلوكياتها بدرجة كبيرة تفوق قوة القوانين في الضبط وذلك لأن حكم المجتمع هو حكم نهائي وقطعي ويستمر بوصم الفرد طوال الزمن».


وتعد صناعة الأعمال الإباحية من أخطر صور تتبع العورات، وهي تعتمد على الفوتوشوب، وهو برمجة يتحكم من خلالها المستخدم في الصورة وقص الأعضاء وتركيبها على الهيئة التي يريدها، كقص الرأس مثلًا وتركيبه على جسد عار، ونشر ذلك على الإنترنت، وقد يفضي هذا النوع من التتبع إلى القتل ظلمًا من قبل الآباء لبناتهم وخصوصًا في البيئات الضحلة في فهم هذه الألاعيب التقنية.

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة