الأمين المساعد لـ "البحوث الإسلامية" يكتب لـ"بوابة الأهرام".. معرفة الله بين العقل والقلب

23-2-2026 | 14:46
الأمين المساعد لـ  البحوث الإسلامية  يكتب لـ بوابة الأهرام  معرفة الله بين العقل والقلبالدكتور محمود الهواري الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية
بقلم الدكتور محمود الهواري

بقلم الدكتور محمود الهواري  الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية

موضوعات مقترحة

تُعدّ معرفة الله تعالى أشرف المعارف وأعظم الغايات التي يسعى إليها الإنسان في حياته، فهي الأساس الذي تقوم عليه العقيدة، ومنها تنبثق القيم والسلوكيات. وقد جمع الإسلام بين طريقين متكاملين لتحقيق هذه المعرفة: طريق العقل القائم على التفكر والنظر والتأمل والاستدلال، وطريق القلب القائم على الإيمان واليقين والخشوع. 

ولا تعارض في الإسلام بين العقل والقلب، بل هما جناحان يطير بهما الإنسان إلى معرفة ربه حق المعرفة.

لقد جعل الله تعالى العقل أداة للتفكر والتدبر، ودعا الإنسان إلى إعماله في النظر في الكون والآيات الدالة على وجوده وعظمته. يقول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (190).

فالآية الكريمة تحث على التأمل العقلي في نظام الكون ودقته، ومحاولة قراءة أسراره مما يقود إلى الإيمان بخالق حكيم قادر. 

وخاطب العقول للاستدلال بما هو متاح في كل بيئة فقال: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر».

وقد اعتمد القرآن الكريم أسلوب الحوار العقلي في إثبات التوحيد، كما في قوله تعالى في سورة الطور:و﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (35).

وهو استفهام إنكاري يخاطب العقل ليقرّ باستحالة وجود المخلوقات دون خالق، وكأنه يجلد بسياط هذه الأسئلة العقو الخاملة، ويدعوها إلى النظر والتأمل. 

وقد أشارت السنة إلى أن التفكر عبادة، وللأسف قد تكون هذه العبادة منسية.

كل هذا من أجل توجيه العقول إلى النظر والتأمل في مخلوقات الله ليتعرف على الله الخالق البديع، ويستدل بآثاره على وجوده، وبتنوت خلقه على عظمته. 

وإذا كان العقل يهدي إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته وقدرته وعظمته، فإن القلب هو موطن الإيمان الحقيقي ومصدر اليقين والطمأنينة. يقول الله تعالى في سورة الرعد:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (28).
فالطمأنينة ثمرة من ثمار معرفة الله القلبية.

كما يصف الله المؤمنين في سورة الأنفال بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (2).

وهذا الوجل دليل على حياة القلب وخشوعه.

وفي السنة النبوية، قال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه). فصلاح القلب بمعرفة الله ومحبته وخشيته هو أساس صلاح الإنسان كله.

كما ورد في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به…» (رواه البخاري). وهذا يبين أن المعرفة القلبية لله تُثمر محبة وقربًا خاصًا من الله تعالى.

ولا يكتمل إيمان الإنسان بمجرد المعرفة العقلية المجردة الجافة، ولا بالمشاعر القلبية المجردة عن الدليل، بل لا بد من الجمع بينهما. فالعقل يهدي إلى الإيمان، والقلب يثبته ويعمقه. ولهذا نجد أن القرآن يخاطب العقل والقلب معًا، فيجمع بين التفكر والتذكر، وبين البرهان والتزكية.

وقد كان منهج النبي ﷺ قائمًا على هذا التوازن؛ فكان يدعو الناس بالحجة والبيان، ويزكي قلوبهم بالعبادة والذكر. ولذلك وصف الله رسالته في سورة الجمعة بقوله:﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (2)، والتعليم يخاطب العقل، والتزكية تخاطب القلب.

إن معرفة الله بين العقل والقلب ليست مسألة فلسفية مجردة، بل هي أساس حياة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة. فبالعقل يتأمل الإنسان في آيات الله في الكون، وبالقلب يعيش معاني الإيمان من محبة وخشية ورجاء. وكلما ازداد العبد تفكرًا وتدبرًا، وازداد ذكرًا وخشوعًا، ازداد معرفةً بربه وقربًا منه.

ولأن الإسلام دين متوازن فإنه يجمع بين نور العقل وصفاء القلب، فلا يُقصي أحدهما على حساب الآخر، بل يحقق التوازن الذي يثمر إيمانًا راسخًا وعملًا صالحًا، ويقود الإنسان إلى تحقيق الغاية التي خُلق من أجلها، وهي عبادة الله تعالى ومعرفته حق المعرفة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة