قبل أيام، قرأت دراسة أجراها الباحثان (كامبانتي وياناجيزاوا) بعنوان "هل يؤثر الدين على النمو الاقتصادي والسعادة، أدلة من رمضان".
دراسة جافة، بأرقام وإحصائيات، لكنها تخبرنا بقصة عميقة، رمضان يخفض الناتج القومي قليلاً في المجتمعات المسلمة. نعم، الإنتاجية تهبط، ساعات العمل تقل، التركيز يتشتت بين العبادة والمواعيد الرمضانية.
لكن في المقابل، هناك شيء آخر يرتفع مشاعر السعادة، الشعور بجودة الحياة، ذلك الإحساس الغامض بأننا نعيش لا نكد فقط.
الدراسة تقول بالأرقام ما كنا نعرفه بأرواحنا. لكنها تطرح سؤالاً أكثر إحراجًا هل نحن ندير هذا الأصل الاجتماعي الفريد بشكل جيد؟ أم أننا نتركه يمر كالسحابة الجميلة دون أن نستثمره؟!
لنتأمل هذا المشهد الرمضاني العادي أسرة تجتمع على مائدة الإفطار، ليس مرة واحدة في العام، بل يوميًا لمدة شهر. أصوات تتزاحم، أطباق تتداول، دعوات تتبادل. بعد الإفطار، تنتقل الحكاية إلى المسجد، حيث تقف بجانب جارك الذي لم تره منذ عام كامل إلا إشارة مرور عابرة.
هناك، في صفوف الصلاة، تتساقط الحواجز. ثم تأتي لحظات السمر العائلي، وزيارات الأقارب التي قد لا تحدث في باقي العام، وموائد الرحمن التي تجمع الغريب قبل القريب.
هذا التكثيف الهائل للتفاعلات وجهًا لوجه هو ما يسميه علماء الاجتماع "الصيانة الدورية" للشبكات الاجتماعية. تخيل أن العلاقات الإنسانية كالحديقة، تحتاج إلى من يرعاها باستمرار، وإلا تتحول إلى غابة أو صحراء. رمضان هو موسم الرعاية هذا.
منذ التسعينيات، والمفكرون في الغرب يراقبون بقلق ما يحدث لمجتمعاتهم. روبرت بوتنام، عالم الاجتماع الأمريكي الشهير، أطلق صرخته المدوية في كتاب "البولينج وحيداً" (Bowling Alone). لاحظ بوتنام أن الأمريكيين ما زالوا يلعبون البولينج، لكنهم لم يعودوا يشكلون فرقاً للعب كما في الماضي. الفردية تلتهم كل شيء، والناس يذهبون إلى مقاهي الإنترنت بدلاً من المقاهي الحقيقية، ويتواصلون عبر الشاشات بدلاً من المصافحات. كان بوتنام يراقب ذوبان "الغراء الاجتماعي" الذي يمسك المجتمع من التفتت إلى ذرات منعزلة.
هذا الغراء الاجتماعي، أو ما يسميه علماء الاجتماع "رأس المال الاجتماعي"، هو ذلك المخزون من الثقة المتبادلة، والمعايير المشتركة، وشبكات العلاقات التي تمكن الناس من العمل معًا لتحقيق أهداف مشتركة. وهو لا يخلق بقرارات حكومية أو قوانين جافة، بل يتكون في تفاعلات الوجه لوجه اليومية، في الأحاديث العابرة على الأرصفة، في المساعدات البسيطة بين الجيران، في التجمعات العائلية التي قد تبدو عادية لكنها تبني جسورًا عميقة.
وهنا يكمن سر رمضان كأصل اجتماعي فريد. إنه يعيد ضبط بوصلة الحياة لصالح الجمعي والروحي والمعنى، بعد أحد عشر شهرًا من البحث الصارم عن المصلحة الفردية والمنفعة المادية. إنه يصحح الخلل الذي تفرضه علينا الحداثة السائلة، حيث كل شيء مؤقت، كل شيء قابل للاستبدال، حتى العلاقات الإنسانية.
لكن السؤال الذي يلح علي هل نحن نعي قيمة هذا الأصل؟ هل نستثمره بشكل جيد؟ أم أننا نحوله إلى طقوس مستهلكة، أو إلى موسم للتبذير الغذائي والمباهاة الاجتماعية؟
المفارقة أن الدراسة التي ذكرتها تتحدث عن زيادة الإنفاق الاستهلاكي في رمضان. هذا الإنفاق، الذي قد يبدو من منظور اقتصادي ضيق خسارة أو تبذيرًا، هو في الحقيقة فاتورة مقبولة ندفعها ثمنًا لارتفاع مشاعر السعادة وجودة الحياة. إنه مثل العشاء العائلي الذي قد يكلف مالاً، لكنه يبني ذكريات لا تقدر بثمن.
لكن بين الإنفاق المعقول والتبذير المفرط مسافات شاسعة. لقد تحول رمضان في بعض مجتمعاتنا إلى موسم للاستهلاك الفاحش، حيث الموائد العامرة التي تتحول بعد ساعات إلى فضلات، وحيث المسلسلات التليفزيونية تستهلك وقت العبادة والتفكر، وحيث تتحول ليالي رمضان إلى أسواق مفتوحة أكثر منها محراب للخشوع.
إذن، نحن أمام مفارقة الشهر الذي يقدم لنا هدية اجتماعية ثمينة، قد نحوله إلى وسيلة لتعميق الاستهلاكية التي تفتت المجتمعات. شهر التضامن قد يصبح شهر التفاخر. شهر الصيام (الامتناع) قد يصبح شهر التخمة.
تاريخنا الإسلامي يذكرنا بأن رمضان كان شهر الفتوحات الكبرى، ليس فقط بالمعنى العسكري، بل بالمعنى الحضاري. معركة بدر، فتح مكة، كلها حدثت في رمضان. لم يكن ذلك مصادفة. المجتمع المتضامن، المتواد، المتراص، هو وحده القادر على الإنجاز.
رمضان كان يعيد شحن بطارية الأمة، ثم تنطلق لتحقق المستحيل.
لكن ماذا حدث لنا اليوم؟ لماذا نخرج من رمضان كما دخلنا، أو ربما أسوأ؟ ربما لأننا نتعامل معه كشهر للراحة والكسل، وليس كشهر لإعادة هيكلة أولوياتنا وعلاقاتنا. ربما لأننا نركز على الجانب الفردي (صومي، صلاتي، ختمتي) على حساب الجانب الجمعي (علاقتي بجاري، بفقير الحي، بقريبي الذي هجرته). ربما لأننا نستهلك رمضان ولا نستثمره.
من يتابع ظاهرة "موائد الرحمن" المنتشرة في كل مكان، يرى صورة مبهرة للتضامن الاجتماعي. لكنه أيضًا قد يرى تكرارًا وتبذيرًا أحيانًا.
لو أن جزءًا من هذا الإنفاق الضخم على الطعام الذي يفيض عن الحاجة، تم توجيهه نحو مشاريع تنموية صغيرة للفقراء، أو نحو تعليم أطفال المحتاجين، لكان الأثر أعمق وأبقى.
ولو أن ليالي رمضان التي نقضيها في المسلسلات والبرامج الترفيهية، خصصنا جزءًا منها للتفكر في مشكلات مجتمعنا وكيفية حلها، لكان خروجنا من الشهر أكثر وعيًا وإرادة.
رمضان يقدم لنا فرصة ذهبية لإعادة اكتشاف بعضنا البعض. في زمن أصبح فيه التواصل الافتراضي يسرق منا دفء اللقاء الحقيقي، يأتي هذا الشهر ليفرض علينا تقريبًا أن نلتقي وجهًا لوجه.
الإفطار الجماعي، صلاة التراويح، السحور مع العائلة، كلها طقوس تعيدنا إلى الإنسانية الأولى التي كنا نعيشها قبل أن تبتلعنا الشاشات.
الدراسات الاجتماعية تؤكد أن التفاعلات الرقمية لا يمكنها أبدًا أن تعوض التفاعلات المباشرة. هناك مليون إشارة غير منطوقة في اللقاء المباشر نبرة الصوت، لغة الجسد، النظرات، اللمسات، الروائح، كلها تدخل في بناء الثقة والمحبة. الشاشة تسطح كل هذا وتفقدنا الكثير من عمق التجربة الإنسانية. رمضان هو أحد المواسم القليلة الباقية التي تحافظ على هذا العمق.
في اليابان مثلاً، حيث الفردية بلغت مبلغًا مخيفًا، ابتكرت بعض الشركات برامج لإجبار الموظفين على التفاعل المباشر! في أمريكا، يتحسر بوتنام على اندثار الأندية الاجتماعية والجمعيات التطوعية.
في عالمنا العربي والإسلامي، لا يزال لدينا هذا الموسم السحري الذي يعيد ترتيب الأولويات. فهل نحن مدركون قيمته؟!
ربما يحتاج الأمر إلى وعي جديد برمضان. وعي يتجاوز الجانب التعبدي الفردي (مع أهميته) إلى الجانب الاجتماعي التحويلي. وعي يجعل من الشهر محطة لمراجعة علاقاتنا مع من انقطعت صلتنا؟ من الجار الذي لم نطمئن عليه؟ من الفقير الذي نسيناه في زحمة الحياة؟ من الصديق الذي فرقتنا عنه مشاغل الدنيا؟
ربما نحتاج إلى استثمار رمضان، ليس بالمعنى المادي الضيق، بل بالمعنى الإنساني الرحب. استثمار اللقاءات العائلية لترميم ما تفتت من العلاقات. استثمار صلاة الجماعة لبناء شبكة من التكافل والتآزر. استثمار روحانية الشهر لخلق مبادرات مجتمعية تستمر بعده.
الدراسة التي بدأنا بها تقول إن المجتمعات المسلمة تضحي بالمنفعة الاقتصادية في رمضان من أجل الحفاظ على التماسك الاجتماعي. هذه تضحية ذكية، لأن التماسك الاجتماعي هو الذي يضمن في المدى البعيد استمرار أي نشاط اقتصادي. فالمجتمع المفتت، حتى لو كان غنيًا، هو مجتمع هش قابل للانفجار.
لكن هذا الأصل الاجتماعي الفريد يتآكل تدريجيًا تحت وطأة العولمة والاستهلاكية والفردية. إذا لم نستثمره بشكل واعٍ، فسنفقده كما فقدته مجتمعات أخرى. ولن نعرف قيمته إلا بعد فوات الأوان، حين نبحث عن ذلك الدفء الإنساني الذي كان يملأ بيوتنا وشوارعنا في رمضان، فلا نجده.
رمضان فرصة لإعادة بناء أنفسنا كمجتمع. فرصة لنتذكر أننا، قبل أن نكون مستهلكين ومنتجين، كائنات بشرية تبحث عن المعنى والدفء والتواصل. فرصة لنتعلم من جديد فن العيش معًا، قبل أن تبتلعنا العزلة الرقمية والفردية الجامحة. فرصة نستثمرها أو نضيعها. والقرار لنا.
[email protected]