إيران .. حرب أم تهويش؟!

21-2-2026 | 13:23

تعود طبول التصعيد لتُقرَع من جديد في الخليج. قوات عسكرية تحتشد، حاملة طائرات تتحرك، تصريحات تشتد، رسائل هجومية تتبادل، وضربة العام الماضي تعود إلى الواجهة كأنها لم تنتهِ بعد.

يقول التاريخ إن الحروب الكبرى لا تبدأ فجأة، بل تتراكم طبقاتها ببطء، ثم يأتي حدث صغير يفتح الباب الكبير. ولعل السؤال الآن: ما سبب التصعيد الأخير؟ ومن الذي يشجّع عليه؟

الأسباب المعلنة تتعلق بالملف النووي الإيراني. لكن هل هذا هو السبب الحقيقي؟ لقد أرسلت إيران خلال الفترة الماضية إشارات متكررة بأنها مستعدة للتفاوض، وأن التخصيب سلمي وقابل للرقابة الدولية.

قبل أسابيع كان التوتر مرتبطًا بما وُصف بالقمع المفرط للمظاهرات داخل إيران وسقوط قتلى من المتظاهرين. لكن هذا السبب اختفى سريعًا من الخطاب الإعلامي، وعادت إلى الواجهة الاتهامات المتعلقة بالبرنامج النووي، ومدى الصواريخ الباليستية المسموح به. فهل هذا هو جوهر الأزمة فعلًا؟ أم أن الأمر أعمق: كبح للقوى الصاروخية، وصراع على النفوذ الإقليمي، وردع متبادل يقف على حافة الخط الأحمر مع رغبة إسرائيلية في الحفاظ على هيمنة وتفوق عسكري وسياسي في الشرق الأوسط. 

أيضًا .. هناك سؤال يتكرر كلما تصاعدت أزمة دولية: هل نحن أمام محاولة لصرف الأنظار عن قضية ما؟.. ملفات جيفري إبستين لا تزال تحظى باهتمام إعلامي واسع داخل الولايات المتحدة. وقد دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة إلى طي الصفحة والمضي قدمًا. 

لكن هذه الملفات لم تُغلق سياسيًا أو إعلاميًا بل تزداد وتيرتها. فهل يمكن أن يكون التوتر الإيراني محاولة لتحويل بوصلة الاهتمام؟!

إذا كان الأمر كذلك، فهي مغامرة محفوفة بالمخاطر. فالحروب لا تمنح بالضرورة مكاسب سياسية مضمونة، مهما كانت القوة العسكرية كاسحة. هناك ارتفاع عالمي في أسعار الطاقة، واضطراب في الأسواق، وتضخم جديد قد يتحول إلى عبء داخلي ثقيل على أي إدارة أمريكية. ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، أي ما يقارب خُمس الإمدادات البحرية للطاقة في العالم. وأي تعطيل كفيل بإحداث صدمة فورية في الأسواق، لا تتحملها الاقتصادات الكبرى ولا الناشئة. ومن ثم يبدو اللجوء إلى مواجهة عسكرية واسعة كأداة للهروب من أزمات داخلية خيارًا غير عقلاني.

إذا اندلعت الحرب، قد تجد روسيا في ارتفاع أسعار الطاقة مكسبًا اقتصاديًا، لكنها على الأرجح لن تدخل في مواجهة مباشرة، بل قد تقدم دعمًا سياسيًا أو تقنيًا غير معلن لإيران.

أما الصين، فمصلحتها الأولى الاستقرار وضمان تدفق الطاقة. ستتحرك دبلوماسيًا، وربما تقدم دعمًا تقنيًا أو استخباراتيًا دون الانخراط عسكريًا. 

الاتحاد الأوروبي سيخشى موجة تضخم جديدة تعيد شبح أزمة الطاقة. ودول الخليج -التي دفعت أثمانًا باهظة من قبل- تسعى في مجملها إلى الاستقرار لا إلى جبهة اشتعال جديدة.

ربما لا تكون الحرب حتمية. فحتى داخل القاعدة الجمهورية المؤيدة للرئيس الأمريكي هناك سؤال يتكرر: لماذا نخوض حربًا أخرى بالوكالة في الشرق الأوسط؟! 

.ولعل السؤال ليس فقط: هل ستندلع الحرب؟! بل: إذا اندلعت، هل يمكن ضبط التصعيد في منطقة تتقلص فيها مساحات الخطأ؟! فالشرق الأوسط لا يحتاج شرارة جديدة… لكن التاريخ يعلمنا أن الشرارات غالبًا لا تستأذن قبل الاشتعال.

ولعل السؤال الآن لم يعد من يملك القنبلة، بل من يملك اليد العليا في تحديد قواعد اللعبة. وإذا كانت الحرب ستندلع، فلن تكون بسبب ملف واحد، بل نتيجة صراع حول من سيملك الهيمنة. وعندها لن يكون الرابح من أطلق الشرارة، بل من استطاع أن يتحمل كلفة النار.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة