مفتي الجمهورية يكتب لـ "بوابة الأهرام".. الصيام وتزكية النفس

21-2-2026 | 13:09
مفتي الجمهورية يكتب لـ  بوابة الأهرام  الصيام وتزكية النفسفضيلة أ.د. نظير محمد عياد مفتي الجمهورية
شيماء عبد الهادي

بقلم فضيلة أ.د. نظير محمد عياد

موضوعات مقترحة

مفتي الجمهورية

يأتي شهر رمضان كل عام فيوقظ في الإنسان معاني إنسانيته ويحيي فيه الوعي بالغاية من وجوده، ويعيد ترتيب العَلاقة بين الجسد والروح، وبين الشهوة والعقل، وبين الدنيا بوصفها وسيلةً إلى الآخرة التي هي الغاية. وعليه، فليس الصيام مجرد امتناع عن الطعام والشراب والشهوة، وإنما هو رحلة تربوية عميقة، تحرِّر الإنسانَ من أَسْر العادة إلى فضاء الإرادة، ومن سلطان الشهوة إلى سيادة الروح.


وقد كشف القرآن الكريم عن الحكمة الكبرى من الصيام حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فالمقصد الأعلى من الصيام هو تحقيق التقوى، أي أن يبلغ الإنسان درجة من صفاء القلب ويقظة الضمير تجعله يراقب الله في السر قبل العلن، وفي الخلوة قبل الجلوة.

إنَّ النفس البشرية تركن بطبيعتها إلى الراحة وتميل إلى اللذة العاجلة، وتنساق أحيانًا خلف رغباتها دون نظر في العواقب، فيأتي الصيام تمرينًا عمليًّا يوميًّا على كبح جماح هذه النزعات، وتعليمًا للإنسان أن لا يكون عبدًا لشهواته، بل في وسعه أن يتسيَّد عليها إذا أراد. ولهذا كان الصيام مدرسة للصبر، والصبر هو مفتاح كل بناء أخلاقي وروحي في حياة الإنسان، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «الصيام جُنَّة»، أي وقاية وحماية، فهو يحمي الإنسان من السقوط في المعاصي؛ لأن الصائم يستحضر دائمًا مراقبة الله، فيمتنع عمَّا حرم الله عليه، وإن كان وُسعه إتيانه. فهو يترك الطعام والشراب الحلالَ امتثالًا لأمر الله، فكيف يرضى بعد ذلك بالحرام أو الأذى أو الظلم، ومن هنا كانت تزكية النفس في رمضان عملية متكاملة تشمل الجوارح كلها، لا ما بين الفكَّيْنِ والفَخِذَيْنِ فحسْب؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». فَلُبُّ الصيام أن يصوم اللسان عن الكذب والغيبة، والعين عن الحرام، والقلب عن الحقد والغل والحسد، وهكذا سائر الجوارح، حتى يخرج الإنسان من رمضان برُوح جديدة وقلب نقي.

إنَّ الصائم حين يشعر بالجوع والعطش، يستيقظ في قلبه الإحساس بمعاناة المحتاجين، فيتولَّد داخله شعور الرحمة والتكافل، ويصبح أكثر قُرْبًا من الناس، وأشد شعورًا بالمحتاج منهم، ومن ثم يكون أدعى للبذل والعطاء. وهكذا تتحول العبادة من تجرِبة فردية إلى إصلاح اجتماعي؛ لأن النفوس المزكَّاة تصنع مجتمعًا أكثر عدلًا ورحمة، ورمضان في جوهره دعوة إلى مراجعة النفس، وإعادة النظر في مسار الحياة؛ فكم من إنسان شغلته الدنيا حتى قسا قلبُه، فإذا برمضان يلين القلوب ويغسلها بالماء والبرد، حتى تعود بيضاء نقية، وتعود الروح أصفى وأطهر، ويتذكَّر الإنسان حقيقته الأولى: أنه مخلوق لعمارة الأرض بالتعاون على البر والخير، لا بالأنانية والصراع الدامي على حطامها، ومن رحمة الله بعباده أن جعل ثواب الصيام عظيمًا، كما جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، لأن الصيام عبادة خفية بين العبد وربه، لا يطَّلع عليها الناس، فتتربى النفس على الإخلاص، وهو جوهر كل تزكية حقيقية.

وهكذا، لا يعود الصيام أيامًا تنقضي بغير أثر، بل هو مشروع إصلاح داخلي مستمر، يعيد للإنسان توازنه، ويمنحه فرصة ليولد من جديد بقلب أكثر صفاءً، ونفس أكثر طمأنينة، وإرادة أقوى في مواجهة ضعفه الإنساني، فطوبى لمن جعل من صيامه جسرًا يعبر به من ظاهر العبادة إلى حقيقتها، ومن الامتناع المؤقت عن الشهوات إلى التحرر الدائم من سلطانها، ليخرج من رمضان إنسانًا إلى الله أقرب، وإلى إنسانيته أدنى وألصق، ولا تكتمل تزكية النفس في رمضان إلا إذا أدرك الصائم أن المقصود من العبادة هو استمرار أثرها بعد انقضاء الشهر، فكم من صائمين يجتهدون في الطاعة أيامًا معدودات، ثم يعودون إلى ما كانوا عليه قبل رمضان، وكأنه كان محطة عابرة لا تحولًا حقيقيًّا. إن التزكية الصادقة هي التي تغيِّر السلوك، وتُنشئ في الإنسان رقابة داخلية تدفعه إلى الخير ولو غاب الرقيب البشري، وتمنعه من الظلم ولو سنحت له الفرصة.


ومن هنا كان شهر الصيام فرصة لمصالحة الإنسان مع نفسه، ومع أسرته، ومع مجتمعه؛ فيتعلم كيف يصفح عمن أساء، وكيف يضبط غضبه، وكيف يحوِّل العبادة إلى خلق يومي في العمل والبيت والشارع.

فالعبادة في الإسلام ليست انقطاعًا عن الحياة، بل إصلاح لها، وليست هروبًا من الواقع، بل طاقة روحية تعين الإنسان على مواجهة تحدياته بضمير حي وقلب مطمئن.


وإذا خرج المسلم من رمضان وقد اعتاد القرآن رفيقًا، والذكر سكينة، والصدقة عادة، والخلق الحسن منهجًا، فقد حقق المقصود الأعظم من الصيام، وهو أن يولد في داخله إنسان جديد، أكثر قربًا من الله، وأكثر رحمة بالناس، وأكثر قدرة على مقاومة ضعفه وأهوائه.

وهكذا لا يكون رمضان في حياة المؤمن مجرد شهر في التقويم، بل محطة سنوية لتجديد الإنسان من داخله، وبناء روحه من جديد على أساس التقوى والرحمة والوعي بحقيقة رسالته في هذه الحياة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة