الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف
موضوعات مقترحة
أظلتنا أيام الفضل والفضيلة، والكرم والكرامة - أيام شهر رمضان المعظم؛ هذا الشهر الذي يملأ القلوب، ويتدفق في الأنفس بمعاني الجمال والبهجة والفرح. أيام شهر رمضان لها مذاق خاص؛ يشعر الإنسان أن الجو من حوله مشبع بالروحانية، ومشبع بمعاني القرآن. ليل رمضان مختلف عن نهاره؛ فالنهار يحمل معاني السكون والسكينة والعبادة ورفعة الروح، ويُفترض أن ينعكس ذلك في تعامل الإنسان مع الناس، فيكون المعنى واضحًا، حاضرًا، ساريًا في سلوكه.
أما إذا جاء الليل من كل يوم من أيام شهر رمضان، امتلأ بالحركة والنشاط؛ الناس ذاهبة وآيبة، من يبيع ويشتري، من يأكل ويشرب، من يصلي التراويح، من يقرأ القرآن، من يقوم بالتهجد، من يصل الأرحام، ومن يستعد للسحور وهو ممتلئ بالفرح والسرور. تلكم هي خصوصية رمضان.
وقد ارتبط رمضان بالأدب؛ الأدب الرفيع، والأدب العالي، ودماثة الخلق، وتهذيب اللسان، وسمو التعامل. الأدب بمعني التهذيب الشامل، فالأدب ليس مجرد كلمات، بل هو شياكة في السلوك، وأناقة في التعامل، وذوق رفيع مع الناس، ومع النفس، ومع الجماد، ومع الحيوان. رمضان يأتي ليملأ وعي الإنسان وعقله بأنه مطالب أن يجاهد نفسه ليكون طوال أيام الشهر على أعلى درجات الأدب.
وقد كان الشيخ عبد الوهاب الشعراني – رحمه الله – يقول من كلماته البديعة: «المحبة والأدب سير إلى الله من غير تعب». فالمحبة تدفعك دفعًا إلى الله، والأدب يدفعك إلى حسن معاملة الخلق، فتزداد قربًا، وتزداد خلقًا، وتقترب من الجناب النبوي، حيث قال ﷺ: «أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا».
الدليل النبوي على أدب الصيام
رمضان شهر الأدب بنص الحديث الشريف، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم…». فالرفث هو الفحش من القول، والصخب هو الضجيج والانفعال والغضب. وهكذا يربط النبي ﷺ الصيام ارتباطًا مباشرًا بالأدب وضبط النفس.
الصيام درجات
يقول الإمام أبو حامد الغزالي – رحمه الله – في «إحياء علوم الدين» إن الصيام ثلاث درجات: صيام العموم: وهو الإمساك عن الطعام والشراب فقط، مع التفلت في اللسان والسلوك. وصيام الخصوص: وهو إمساك الجوارح كلها عن المعاصي؛ اللسان، واليد، والرجل، والعين. وصيام خصوص الخصوص: وهو أعلى المراتب، حيث يصوم الظاهر عن المفطرات، ويصوم الباطن عن الخواطر السيئة، فلا يمر بالقلب خاطر سوء أو نية فاسدة. وهذا أدب عظيم مع الله، يحتاج إلى مجاهدة، وتوفيق، ونور في القلب.
الأدب طريق المحبة والقبول
ورد في الأحاديث الشريفة التحذير الشديد من الفحش وسوء الخلق، فقال ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». وقال ﷺ: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق». فالحياء زينة، والفحش شين، وصاحب الأدب محبوب عند الله، محبوب عند الخلق، مكرم في القلوب.
رمضان تدريب عملي على الأدب
رمضان مدرسة عملية لتدريب النفس على ضبط اللسان، وتهذيب السلوك، وحسن المعاملة. لا يصح أن يتحجج الإنسان بالصيام ليضيق خلقه أو ينفجر في وجوه الناس. بل الصيام جاء ليعلمنا الحلم، والصبر، وكظم الغيظ. ولنُعِد إلى ألسنتنا الألفاظ الكريمة: «من فضلك»، «لو سمحت»، «لو تكرمت»؛ كلمات بسيطة لكنها تبني جسورًا من المودة والاحترام.
ختام
رمضان شهر الأدب، كما أنه شهر الكرم، وكما أنه شهر القرآن. نسأل الله تعالى أن يجعل أيامنا وأيامكم كلها أدبًا، وكرمًا، وقرآنًا يسري في فكرنا وقولنا وسلوكنا وخواطرنا – آمين.