وكما يحدث دائمًا بين الرفقاء، بدأت رحلتي مع صديقي ورفيق دربي، نهر النيل، بالتعرف عليه، سماته وطباعه.. ما يرضيه وما يغضبه.. ظروفه وأحواله.. باختصار عقدت نيتي على معرفة كل شيء يخصه، رغم كثرة التحذيرات عن المعوقات التي سوف ألاقيها خلال رحلتي، والتي اكتشفت فيما بعد أمانتها وصحتها إلى أقصى حد.
بدأت رحلتي وكلي يقين أن نهرًا بهذا التاريخ، سوف أجد غايتي في التعرف عليه من الزاوية التي تقوم عليها دراستي بمنتهى اليسر والسهولة، لكنني ما إن خطوت أولى خطواتي إلا واكتشفت أن المتاح لي للتعرف على صديقي قليل جدًا! وأن هذا "المتاح" يوجد مبعثرًا تائهًا بين مئات الكتب والمجلات على أرفف المكتبات، وأن مهمتي على مدار أيام وشهور وسنوات سوف تكون العثور عليه!
...... قبل أن تتعجبوا اعلموا أنني أتحدث عن وقت لم يكن فيه لا إنترنت ولا شات جي بي تي!
خلال رحلتي في المكتبات للتعرف على صديقي، اعتادت عيناي أن تقع على كتب وأبحاث تتناول نهر النيل بالدراسة والتحليل، من خلال منظور علمي منفرد لأحد فروع المعرفة كالجغرافيا أو التاريخ أو الهندسة.....الخ.
لكنني بصدد دراستي – القانون الدولي والعلاقات الدولية – لم أجد على الأرفف بعد بحث طويل إلا ما زاد حيرتي وعقد مهمتي!
كانت معظم الكتب والأبحاث المتاحة – إن لم تكن جميعها - تقتصر على مناقشة واقع النهر ومستقبله من زاوية الصراع والأطماع في مياهه! في حين كانت أطروحتي على الجانب الآخر من النهر قد وضعت خطتها لمناقشة مستقبله من زاوية التعاون بين الدول المتشاركة فيه! واكتشفت مدى صعوبة المهمة التي أخبروني عنها، وواجهت استحالة للوصول إلى مراجع تعينني على إنهاء الدراسة، وتذكرت ما أخبرني به مشرفي من أن زميلاً كان قد شرع في نفس الموضوع، ثم قام بتغييره بعد فترة عندما استحال عليه الوصول إلى مراجع ذات صلة.
ولا أبالغ حين أقول إن هذا الوضع استمر عدة سنوات، حتى تمكنت من شراء كمبيوتر، ومن خلاله حصلت على مراجع تتناول الموضوع من زوايا مختلفة، ولا أنسى يوم وقعت عيناي على مرجع يناقش "نظرية المباراة Game Theory" وتطبيقاتها في العلاقات الدولية، ثم مراجع أخرى حول مؤسسات الأنهار الدولية..
كدت أبكي وأنا أرى حلمي على وشك التحقق، حين وضعت تلك المراجع قدمي بمنتهى الثبات على نقطة الانطلاق الأساسية لرؤية الوضع على حقيقته ومعالجته بشكل مختلف.
بعد فترة تأكدت لي حقيقة لا تقبل الشك ولا الجدال، حيث وجدت أن دراسة موضوع الإدارة التعاونية للأنهار الدولية تعتبر من الأمور التي يصعب، بل ربما يستحيل على باحث منفرد القيام بها من منظور تخصص علمي بعينه؛ والسبب أن الباحث الذي يشرع في دراسة تلك الإدارة التعاونية من منظور تخصص علمي معين، اقتصاد أو تاريخ أو جغرافية أو قانون.....إلخ. سوف يجد نفسه مضطرًا إلى التطرق إلى أمور عديدة متداخلة تنتمي إلى معارف متنوعة، حتى يكون تناوله ومعالجته لقضية الإدارة التعاونية على القدر المطلوب من الموضوعية.
وقد ظهر أثر محاولاتي المنفردة للخوض في تلك الأمور المختلفة واضحًا خلال مناقشة رسالة الدكتوراه، حين أبدى المحكمون تعجبهم وتهكمهم، وتساءلوا هل هي رسالة في القانون أم علم الإدارة أم التاريخ والاقتصاد والجغرافيا!
نحن هنا لا نتهم أيًا من فروع المعرفة المختلفة بالقصور ولا أيًا من الزملاء الباحثين بالتقصير، لكن بالأحرى نبغي توضيح وتأكيد ما استقرت عليه أغلب الأبحاث العلمية من حيث اعتبار النظم الإيكولوجية من صنوف المعارف العابرة للتخصصات، والتي تتطلب بل وتقتضي بطبيعتها معالجة قضاياها من خلال منهج بحثي عابر للتخصصات Trans-Disciplinary Research Approach، وهو منهج يتطلب توافر تشكيل معين وظروف خاصة لفريق عمل من الباحثين من مختلف التخصصات ذات الصلة بموضوع البحث.
ملحوظة: الأمر لا يتعلق بفريق عمل يضم تخصصات مختلفة يتم تكليفه بتناول الموضوع ثم إصدار كتاب مجمع يضم تلك الأبحاث، في حين كان الباحثون بمعزل عن بعضهم البعض Multi-Disciplinary، ولا فريق عمل يلتقي مرة أو مرتين فقط Cross-Disciplinary لمجرد التنسيق والتعارف.
أنا أتحدث عن فريق عمل غير عادي، فريق يتوافر لديه الفرصة للتلاقي والتعايش فترة طويلة Trans-Disciplinary.. لديه إدراك ووعي للطابع التكاملي الذي يتطلبه هذا النوع من الدراسات، والأهم من ذلك هو استعداد أفراد هذا الفريق – مهما علا شأنهم - للتنازل عن كبرياء التخصص الأكاديمي والانخراط في هذا الفريق الذي يكون هدفه الأول هو المصلحة الجماعية.
ووفقًا للمعلومات المتوافرة لدينا، يمكن القول أن هذا الشكل يتوافر من خلال ما يعرف بالجامعات البحثية Research University التي ظهرت وانتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض البلدان الأوروبية منذ خمسينيات القرن الماضي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث توافرت لها كل الإمكانات التي تتيح لها تناول مختلف القضايا من جميع الزوايا ذات الصلة، للوصول إلى نتائج وتوصيات واقعية.
ورغم ما يشير إليه الواقع، وربما يؤكده على غير استحياء من أن قيام الجامعات في بلدان أخرى بذلك الدور ليس من السهولة بمكان، لما يتطلبه الأمر من توافر إمكانات ومقومات كثيرة، وبما يجعل حظ الباحثين قليلاً في هذا الشأن. إلا أننا نعتقد أن الظروف الحالية والملحة ـ والمتغيرة بشكل متسارع غير مسبوق ـ التي تحيط بقضايا المياه تتطلب تحركًا سريعًا من خلال التوظيف الجيد للإمكانات المتاحة، وهي وإن لم تكن كثيرة فهي ليست قليلة إن أُحسن توظيفها وإدارتها.
ونتصور أن المراكز البحثية قد يكون لديها القدرة على وضع بذور جيدة لذلك النوع من فرق العمل.
لا تقلق يا صديقي فالأمل موجود دائمًا…