العراق بين واشنطن وطهران!!

18-2-2026 | 13:20

تقف منطقة الشرق الأوسط على حافة مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها مسارات الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بينما يجد العراق نفسه في قلب هذا الاشتباك الإقليمي، في وقت لم تُحسم فيه بعد معركة تشكيل الحكومة الجديدة.

التوتر الإقليمي انعكس مباشرة على المشهد العراقي، خصوصًا بعد إعلان قوى “الإطار التنسيقي” ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء. إذ سرعان ما صدرت مواقف أمريكية حادة، حملت إشارات واضحة إلى أن عودة المالكي قد تُقابل بإجراءات سياسية واقتصادية، في ظل اعتراض واشنطن على ما تعتبره استمرارًا لنفوذ طهران في آليات تشكيل الحكومة.

وتزامن ذلك مع اتصالات أمريكية مباشرة بالقوى السياسية، تضمنت تحذيرات من مغبة تشكيل حكومة يُنظر إليها على أنها امتداد لمحور إقليمي معين، بما قد يعرّض العراق لضغوط وعقوبات هو في غنى عنها؛ وهو ما وضع “الإطار التنسيقي” أمام معادلة معقدة: كيف يوازن بين التزاماته السياسية الداخلية وحسابات الواقع الدولي؟

تعقّد المشهد أكثر مع بروز تحفظات داخل الإطار نفسه، وعودة أصوات سياسية – من بينها عمار الحكيم وحيدر العبادي – إلى التأكيد على ضرورة قراءة اللحظة الإقليمية بدقة، وعدم الذهاب إلى خيارات قد تعيد إنتاج الاستقطاب الحاد. كما أن التردد الكردي في حسم الموقف زاد من صعوبة تمرير الترشيح بسلاسة.

في هذا السياق، حرصت على التواصل مع السيد عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، وسبق أن التقيت به في بغداد، على هامش القمة العربية، ودار بيننا حوار طويل حول أحوال العراق.

وفي اللحظة الراهنة عدت لأسأله عن قراءته لمستقبل التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وانعكاساته على العراق.

يرى الحكيم أن ما يجري ليس توترًا عابرًا، بل تعبير عن خلل عميق في منظومة الأمن الإقليمي. ويقول بوضوح: “نحن أمام مرحلة تتداخل فيها الأزمات وتتراكم فيها بؤر التوتر. 

الصراع الدائر يعكس اختلالات أوسع، وأرجّح أن تتجه المنطقة إلى إدارة الأزمات بدلاً من حلول جذرية في المدى المنظور، لكن كلفة الانفجار الشامل ستدفع الجميع في النهاية نحو العقلانية والحوار”.

وعن قدرة العراق على تجنب التورط في هذا الاشتباك، يؤكد الحكيم أن ذلك ممكن، شرط إدارة الموقع الجيوسياسي بحكمة.

ويرى أن “العراق قادر على تجنب الانجرار إذا ثبت مبدأ أن مصلحته الوطنية فوق كل اعتبار. الحياد ليس ضعفًا، بل خيار سيادي ذكي يتطلب قرارًا سياسيًا موحدًا دبلوماسية نشطة وخطابًا داخليًا مسئولاً”.

وفيما يتعلق بطبيعة المرحلة داخليًا، يشدد الحكيم على أن البلاد لا تحتمل مزيدًا من الاستقطاب. 

ويؤكد الحكيم: “نحن بحاجة إلى شخصية تنفيذية قوية توافقية، تفهم معنى التوازن، وتمتلك شجاعة القرار دون أن تجر البلاد إلى صدامات جديدة. الاستقطاب يعيد إنتاج الأزمات، أما التوافق المدروس فيفتح أبواب الاستقرار والإصلاح”.

وعند سؤاله عن حضور واشنطن وطهران وأنقرة في الجدل العراقي مقابل تراجع الحضور العربي، يوضح أن تشابك المصالح يفسر هذا الحضور، لكنه لا يبرر حصر الخيارات.

ويرى الحكيم: “نؤمن بعمق العراق العربي، ونرى أن هناك حاجة لجهد متبادل لتعزيز الثقة والمبادرات العملية. العراق لا يريد أن يكون تابعًا لأي محور، بل يريد أن يكون جسرًا للتواصل ونقطة التقاء لا ساحة صراع”.

هذه الرؤية تنطلق من محاولة إعادة تعريف موقع العراق: ليس ساحة مواجهة بين مشروعين، بل دولة تسعى إلى توازن يحمي سيادتها ومصالح شعبها. غير أن الواقع يفرض تعقيدات كبيرة، في ظل ضغوط أمريكية تتجاوز مسألة تشكيل الحكومة إلى مجمل السياسات العراقية، مقابل رغبة إيرانية في الحفاظ على نفوذها الإقليمي.

والعراق، بحكم موقعه وارتباطاته الاقتصادية والمالية الدولية، لا يملك ترف القطيعة مع أي طرف، ولا القدرة على تحمل صدام مفتوح. ومن هنا تبرز أهمية مقاربة تقوم على إدارة التوازن بدل الانخراط في المحاور.

وفي هذا الإطار، يطرح الحكيم فكرة أن يتحول العراق إلى مساحة حوار لا ساحة تصفية حسابات، مستفيدًا من علاقاته المتشعبة مع مختلف الأطراف. وهي رؤية تصطدم بوقائع ضاغطة، لكنها تعبّر عن إدراك متزايد بأن استمرار العراق رهينة للصراع الأمريكي–الإيراني يعني استنزافًا طويل الأمد.

ومن ناحية أخرى يبقى السؤال: هل تستطيع الطبقة السياسية العراقية إنتاج صيغة توازن واقعية، تُجنّب البلاد الانخراط في صراع أكبر من طاقتها؟

الإجابة سوف تتوقف على قدرة القوى الفاعلة على تقديم منطق الدولة على منطق الاصطفاف.

ويبقى أن السيد عمار الحكيم يرسم طريقًا للخروج من أزمة واشنطن وطهران، وتجاوز تعقيدات تهدد بأن يبقى العراق أسيرًا للمواجهة الأمريكية - الإيرانية، وتساهم في تحقيق العراق ما يأمله من توازن في علاقاته الدولية والإقليمية.

إن الرجل يعرض أن يكون العراق جسرًا للحوار بين واشنطن وطهران، لا ساحة لتصفية حساباتهما.
 
وأحسب أن من الحكمة إعطاء  فرصة لهذه الرؤية.

كلمات البحث
الأكثر قراءة