يشهد النظام الدولي اليوم لحظة انتقالية شديدة الاضطراب، تتغير فيها خرائط التهديدات وتتبدل أدوات القوة، وتتراجع مساحات اليقين التي اعتادت الدبلوماسية الدولية الاعتماد عليها.
في هذا المناخ، تبدو قضية منع الانتشار ونزع السلاح النووي كأنها فقدت بعض الضوء لصالح ملفات أكثر إلحاحاً، لكن الحقيقة أنها ازدادت خطورة؛ لأنها باتت تتحرك داخل بيئة نزاع أكثر خشونة، وأقل انضباطاً، وأكثر استعداداً لاختبار الخطوط الحمراء.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة واقعية تقيس كيف تؤثر تحولات النزاع على منظومات ضبط التسلح، وكيف تنعكس أزمة الثقة داخل معاهدة عدم الانتشار على أمن الشرق الأوسط.التحول الأول الذي لا يمكن تجاهله هو عودة مركزية الحروب التقليدية عالية الكثافة. فالحرب الروسية الأوكرانية لم تَعنِ فقط عودة المدفعية والدروع، بل أعادت صياغة أولويات الأمن الدولي، ودفعت دولاً عديدة لزيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز الردع.
والأهم أن هذا النزاع كشف وجهاً جديداً للمخاطر النووية حين تقترب العمليات العسكرية من منشآت نووية مدنية، لتصبح السلامة والأمن النوويان جزءاً من حسابات الحرب اليومية.
هذا المشهد يضيف طبقة من الهشاشة؛ فحتى دون استخدام السلاح النووي، يمكن للحرب التقليدية أن تهدد البنية التحتية النووية، وتفتح الباب أمام سيناريوهات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود.
في الشرق الأوسط، تتجسد هذه الديناميات بصورة أكثر تعقيداً؛ فالإقليم يعيش حالة تداخل بين الحروب المباشرة والعمليات الهجينة والاشتباكات السيبرانية. الحرب في غزة، على سبيل المثال، فجرت نقاشاً دولياً حاداً حول قواعد القانون الدولي الإنساني، مع تقارير تتحدث عن استخدام أسلحة محظورة.
وبالتوازي، يوضح تمدد العمليات السيبرانية، ومنها حادثة تفجير أجهزة النداء في لبنان، كيف بات من الصعب رسم خط فاصل بين ما هو "تقليدي" وما هو "استراتيجي"، إذ امتدت ساحات النزاع إلى الفضاء الرقمي وسلاسل الإمداد. وفي الخلفية، تواصل التوترات بشأن البرنامج النووي الإيراني إنتاج حالة دائمة من عدم اليقين، بما يرفع كلفة الحسابات الخاطئة ويضخم المخاوف في بيئة تتسم أصلاً بعدم الاستقرار.
هذه التطورات تضرب في صميم ثقافة ضبط النفس التي تقوم عليها أطر التسلح العالمية؛ فمنع الانتشار ليس مجرد نصوص قانونية، بل شبكة من الأعراف وقواعد السلوك.
وحين تتراجع هذه الثقافة، تتآكل الثقة داخل عملية استعراض معاهدة عدم الانتشار ($NPT$). ما نراه هو تراجع واضح في الثقة بسبب تصور متنامٍ لدى الدول غير النووية بأن الميزان يميل لصالح القوى النووية، وأن الالتزام بنزع السلاح وفق المادة السادسة يتحرك ببطء، بينما تتواصل عمليات تحديث الترسانات العالمية.
في هذا السياق، برز خطاب "الأثر الإنساني" كقوة سياسية ومعيارية. فبينما تعتبر الدول النووية الردع عنصراً أساسياً في أمنها، قاد الدفع المعياري إلى "التعهد الإنساني" لمعالجة الفجوة القانونية، وهو ما تطور لاحقاً إلى "معاهدة حظر الأسلحة النووية" ($TPNW$) التي دخلت حيز النفاذ عام 2021.
هذه المعاهدة لم تحل الخلاف، لكنها أعادت ترتيب خريطة الضغط الدولي بين دول تريد تسريع نزع السلاح عبر أدوات قانونية جديدة، ودول نووية تتحفظ على ما تراه إضعافاً لمركزية معاهدة عدم الانتشار.
إن الانقسام اليوم ليس حول المبدأ، بل حول الطريق. هناك "النهج التدريجي" الذي تفضله الدول النووية، ويقوم على إجراءات متتابعة مثل حظر التجارب النووية ووقف إنتاج المواد الانشطارية.
في المقابل، تطرح دول أخرى "نهجاً شاملاً" يدعو لاتفاقية واحدة محددة زمنياً تقضي على الأسلحة النووية بصورة غير قابلة للرجوع. وبين الطرفين يظهر "نهج إطاري" يحاول الربط بين منظومتي عدم الانتشار والحظر. هذا التعدد في المسارات ليس ثراءً صحياً بالضرورة، بل علامة على عمق الخلاف في تصورات الأمن وتفسير الالتزامات القانونية.
تزيد "الفجوة القانونية" الصورة تشابكاً؛ فمعاهدة عدم الانتشار لا تتضمن حظراً شاملاً، والالتزامات التفصيلية على الدول الحائزة بشأن التحديث تظل فضفاضة. كما أعاد النزاع في أوكرانيا طرح مسألة "الضمانات الأمنية السلبية" الملزمة قانوناً لحماية الدول غير النووية من التهديد باستخدام السلاح ضدهـا.
والسؤال العملي هنا: كيف يمكن الحفاظ على مصداقية النظام الدولي إذا بقيت أسلحته الأخطر خارج إطار حظر واضح؟في قلب ذلك كله يقف "التحقق" بوصفه كلمة السر؛ فمن دون تحقق لا توجد ثقة. الوكالة الدولية للطاقة الذرية تمتلك الخبرة لتطوير نماذج تفكيك الرؤوس النووية وتوحيد صيغ الإقرارات.
وبعد عام 2022، برز اهتمام متزايد بأن يمتد دور الوكالة لرصد المنشآت النووية المدنية في مناطق النزاع. لكن التحدي يبقى سياسياً؛ فالاعتراف بخبرة الوكالة لا يعني تلقائياً التوافق على توسيع ولايتها للتحقق من تفكيك الأسلحة أو وضع خارطة طريق ملزمة للإزالة الكاملة.
وتبقى وتيرة التقدم عقدة مستعصية. فعملية الاستعراض الخمسية غالباً ما تنتج وعوداً عامة بينما يتقدم التنفيذ ببطء. وقد انتهى مؤتمر 2022 دون وثيقة ختامية للمرة الثانية على التوالي، مما سلط الضوء على هشاشة "قاعدة الإجماع" التي تسمح لدولة واحدة بتعطيل نتيجة جماعية لأسباب وطنية، وهو ما يطرح سؤالاً حول قدرة المعاهدة على الصمود في زمن الاستقطاب.في ضوء ذلك، يقف الشرق الأوسط أمام مفارقة؛ فالحاجة لترتيبات إقليمية تقلل المخاطر أصبحت أشد إلحاحاً، لكن البيئة السياسية تجعل المسار أصعب.
فكرة "المنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل" ليست ترفاً دبلوماسياً، بل استجابة منطقية لإقليم تتقاطع فيه الحروب والتكنولوجيا المتقدمة. غير أن الوصول لهذا الهدف يتطلب مقاربة متوازنة تبني آليات تحقق فعالة وتؤسس لثقة عبر خطوات تدريجية في الشفافية وخفض المخاطر.
مؤتمر استعراض 2026 سيعقد في عالم أكثر توتراً، ومن المرجح أن يركز على خفض المخاطر وتعزيز السلامة النووية على حساب الخلافات المزمنة.
لكن مصداقية نظام عدم الانتشار لن تُقاس ببلاغة البيانات، بل بقدرته على تضييق الفجوة بين الالتزام والتنفيذ، وإيجاد مسار واقعي يوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات العدالة المعيارية. في عالم تتسارع فيه المخاطر، قد يكون أهم إنجاز هو منع الأسوأ، وفتح نافذة صغيرة للتقدم قبل أن تغلقها الأزمات القادمة.
* السفير د. سامح أبو العينين
أستاذ العلاقات الدولية بكلية الدراسات الدبلوماسية – جنيف
عضو المجلس المصري للشئون الخارجية