التاريخ الغابر ليس مجرد صراعات لا تهدأ على مقاعد السلطة وتقاسم النفوذ، بل هو أيضا محطات تسطرها في أناة وإحكام علاقات معقدة وشديدة الدقة بين قلنسوة السلطان وأعتاب الدراويش.
موضوعات مقترحة
فبينما يحيط السلطان نفسه بمشايخ يسبحون بحمده ويزينون له ما صلح وما طلح، وظيفتهم تنحصر في صناعة فقه التبرير...يقف على الضفة الأخرى القطب أو الولي أو الدرويش الذي لا تبارى مكانته فهو الرقم الرابح في معادلة الحكم والقادر الوحيد أن يصب لعناته على السلطان على مرأى ومسمع من الجميع دون أن يحرك الأخير ساكنًا، وهو الذي إن تغير خاطره تجاه الآخرين صال وجال وأزبد وأوقع؛ لذا طبيعيا أن السلطان يخشى قربه ولكن من المحال أن يتحمل طول بعده أويستغني عنه فهو مستودع الأسرار النورانية، صاحب الفراسة المحصنة من الزلل يرى بعين الغيب مالا يراه السلطان في اليقظة، صاحب الكرامات الرحمانية، مفسر الرؤى والأحلام ومترجم مستعصيات الأمور،المبروك المحاط بالخوارق أينما حل وارتحل.. لذا فلا ريب أن تترسخ لدى السلاطين أن رضا الولي مفتاح استقرار الدول فإن سخط، اهتزت وتداعت وسقطت عروش السلاطين تحت وطأة جحافل غير مرئية من لعنات الغيب التي لا تتصدى لها الجيوش ولا تدركها الأبصار ولا تسكن المآقي؛ ولأن العصر قائم على السيف والحكم لمن غلب فالهزيمة والانكسار ليست سوى صدى لغضبة ولي تغير خاطره ولم تلب حوائجه وتحقق النصر دوما رهنا بمباركة القطب الروحي الزاهد.
صاحب الضريح الذي نحن بصدده لا يختلف كثيرا عما ناقشناه في هذه القواعد..
إننا نقف بقبة الإمام الشافعي وتحديدا عند ضريح العلّامة الفاضل الإمام أبو البركات نجم الدين محمد بن الموفق بن سعيد بن على بن الحسين (أو الحسن في روايات) الخبوشانى، الفقيه الصوفى الشافعي المذهب .. وُلد بأستوى خبوشان "بنيسابور(سُميت بذلك نسبة لملك الفرس سابور بن هرمز بن نرسي أو شابور الثاني أو سابور ذو الأكتاف (309-379م)، والذي تُوج ملكًا وهو جنين بأن وضع التاج على بطن أمه)" عام ٥١٠ هـ، كان معلمه الأول في الفقه الشافعي محمد بن يحيى (تلميذ الغزالى) ووصلت درجة تأثره بأستاذه إلى حد حفظه لمصنفه "المحيط" عن ظهر قلب وعمل على تحقيقه فى ستة عشر مجلدا.
وحري بنا حتى نفهم اتجاهات الشيخ أن نحيط علما بالأستاذ الأول له ولمعلمه ألا وهو الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، زين العابدين أبو حامد ابن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي والذي قدم نيسابور عاصمة السلجوقيين ليلازم أبا المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجُوَيْني الشافعي الأشعري (الملقّب بإمام الحرمين) وملتحقا بمنظومة المدارس النظامية -مٌتعلمًا ثم مُعلمًا- والتي أسس لها "قَوَّامُ الدِّينِ أَبُو عَلِيّ الحَسَن بْنُ عَلِيّ بْنِ إِسْحَاقِ بْنِ العَبَّاسِ الطُوسِي الملقب بـ خواجة بزك وقد عرفه التاريخ الإسلامي باسم نظام المُلك" وزير السلطان "ألب أرسلان" ثم وزير ابنه "جلال الدولة ملكشاه".. وكان أحد أهم أهداف هذه المدارس نشر الفكر السني في مواجهة الفكر الشيعي المستشري؛ لذا فمن الطبيعي أن يكون فكر شيخنا "الخبوشاني" مُنصبًا في نفس الاتجاه وهو التصدي للفكر الشيعي ولكن أين؟!!
على الرغم أن مولد "الخبوشاني" ونشأته وأغلب عمره قضاه ببقعة إيرانية يستوطنها الفكر الشيعي الإسماعيلي ويسود أبناء جلدتها إلا أن أصحاب السير لم يحفظوا لنا أي موقف تصادمي ذات أثر له في بلده ضد هذا المذهب!! كما لم يسجلوا له وقفة تجاه ما تعرضت له "نيسابور" من اجتياح وحشي من عشائر الغز سنة 548 هـ وظفرهم بالسلطان ملك المشرق، ذي القرنين "أبو الحارث معز الدين أحمد سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي" وأسره وبعدها عاثوا في المدينة فسادا وقتلا للرجال والعلماء والسادة وأسرا للنساء وتدميرا لدور الناس والمساجد فصارت المدينة الراغدة خرابا وحطاما.. وكل ما نقل إلينا هو مخاصمته الجلدة ومحاربته الشديدة لهذا الفكر الإسماعيلي ولكن في مصر الفاطمية والتي ارتحل إليها عام ٥٦٥هـ وعمره خمس وخمسين عاما ..
كان قدوم الشيخ قبل عامين فقط من سقوط حكم الفاطميين ومنذ الوهلة الأولى اختار الشيخ سب ولعن الفاطميين على كل منبر وفي كل وقت كما لو كان جزء من ورده وتسبيحه إلى الحد الذي أقلق السلطة الفاطمية الحاكمة فحاولوا كسبه بالمال وبعثوا إليه أربعة آلاف دينار بحسب بعض الروايات، فقال للرسول:"ويلك ، ما هذه البدعة ؟!" فحاول الرسول ملاطفته وعجل برمي الذهب بين يدي الشيخ ، فكانت ردة فعل الشيخ غير متوقعة إذ ضربه على رأسه حتى أصبحت عمامة الرجل حلقا في عنقه وأنزله من السلم مهانا وهو يلقى عليه الدنانير الذهبية.
وفي رواية أقل مبالغة من السابقة أن "العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله"الخليفة الفاطمي الأخير رأى في منامه عقرب يخرج من مسجد شهير في مصر ويلدغه فلما قص رؤياه في مجلسه أخبره أحد العالمين بالتفسير أن الرؤيا واضحة وأن مكروه يناله من شخص يقيم في هذا المسجد فأمر "العاضد" بالبحث بين ساكني المساجد فأتوا له بالخبوشاني ربما لأنه كان حديث العهد والالتحاق بالمسجد فارتابوا في أمره فلما رآه "العاضد" شيخا صوفيا ضعيفا عاجزا عن الإضرار به أطلقه وأعطاه شىء من المال وقال له :" يا شيخ ادع لنا"..
منطقيا لم يكن قدوم هذا الشيخ في هذا التوقيت مصادفة كما أن الحرية التي تركت له في ارتقاء المنابر وحجم الأتباع الذين أحاطوا به في وقت قصير من بدء إقامته علاوة على الحماية والمنعة التي جعلته يناطح أصحاب السلطة في بلد غير بلده دون الخشية من انتقامهم لم يكن ليتحقق كل هذا دون دعم خفي من الوزير صلاح الدين صاحب المصلحة الأولى في خلخلة النظام الفاطمي -الذي أشرف على الانقضاء -عبر منبر إعلامي ديني متحمس مثله هذا الشيخ ..
ولو قارنا هذا الحدث بحوادث أخرى لاحقة من التاريخ المصري لوجدنا أن مثل هذا النوع من السعي لإسقاط النظم عبر غرباء لا يمر دون عقاب حتى في أوهن حالات الدولة فمثلا في "السلوك لمعرفة دول الملوك" لتقي الدين المقريزي يذكر حادثة مشابهة:"وفي ثالث عشر ذي الحجة (عام 775 هجريا) قبض على رجل مغربي، كان يقف في الليل تحت القلعة، ويصيح اقتلوا سلطانكم ترخص أسعاركم ويجري نيلكم. فضربه والي القاهرة بالمقارع وتركه لحاله" فالعقاب دون المستوى ومر مرور الكرام ولكنه واقع على كل حال والدولة تعاني الغلاء وانحسار فيضان النيل في عهد" السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف أبو المفاخر زَيْنُ الدِّينِ شَعْبَانُ بن الأمجد حسَيْنْ بن النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بن الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قَلَاوُونَ الألفي العلائي الصَّالِحِي" .
نعود للخلف مجددا لحوادثنا الفاطمية ..كانت سلطة "العاضد" قد تداعت وأصبح قطافها دان وقيل أن "الخبوشاني" أراد استعجال مصير "العاضد "وكان في مرضه الأخير وأغرى "صلاح الدين "بإعدامه وهو اقتراح يفتقر للكياسة ويتفق مع وصف معاصري الشيخ له بأنه "قليل المعرفة بأحوال الدنيا".. وجد "صلاح الدين" أن الفرصة سانحة لخلع الخليفة الفاطمي المريض لكنه تردد في الإعلان الفوري عن الخطبة لبني العباس والتحول إلى المذهب السني بشكل كامل خشية انقسام الرأي العام وحدوث قلاقل وإضطرابات ومقاومة من أنصار النظام السابق لكن "الخبوشاني" كان الأجرأ على فعل ذلك فوقف بعصاه أمام المنبر ، وأمر الخطيب بذكر اسم الخليفة المستضيء بأمر الله العباسي وقطع الخطبة للعاضد لدين الله فاغتم الأخير ومات في ريعان شبابه وعمره إحدى وعشرون سنة، وتزينت بغداد ابتهاجا بخلعه والتحول بتبعية مصر إليهم كسلطة روحية اسمية وحسب ..
ما يهمنا في هذا المبحث العلاقة الطريفة والاستثنائية التي جمعت بين "الخبوشاني" وبين "الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُويني التكريتي" وكان الأخير يوقره ويحفظ قدره ويستشيره ويلبي حاجاته وحدث أن إلتمس الشيخ من السلطان إسقاط بعض الضرائب والمكوس (مكوس تؤخذ من الحجيج بجدة مما يحمل في البحر) فرفض "صلاح الدين"، وتغير الشيخ وساء خلقه ووكز السلطان بعصاه حتى سقطت قلنسوته قائلا في حدة :"قم لا نصرك الله! " فتخلى عنه النصر في إحدى معاركه أو انكشف عنه ستر الحماية فتجرأ أعدائه عليه فتشاؤم "صلاح الدين" وتذكر دعاء الشيخ عليه فعاد إليه معتذرا ومقبلا يديه طالبا الصفح والعفو ..
وتتعدد رؤى الباحثين حول الحادثة التي ألمت بالسلطان جراء تغير خاطر الشيخ ما بين معركة أو حادثة اغتيال..فالبعض يراها معركة "تل الجزر أو معركة الرملة أو معركة مونجيسار أو معركة مونتجيسارد"، والتي انهزم فيها "صلاح الدين "على نحو غير متوقع أمام "بلدوين الرابع" ذو الستة عشر عاما قائد مملكة بيت المقدس في 25 نوفمبر 1177 م ومن ثم انكشاف القوات الأيوبية وقد منيت بخسائر فادحة وغير مسبوقة.. أو أنها إحدى محاولتي الاغتيال التي تعرض لها من قبل طائفة الحشاشين الباطنية ( الإسماعيلية النزارية) بقيادة " رَّاشِدُ اَلدِّينِ أَبُو اَلْحَسَنْ سِنَانُ بْنُ سَلْمَانِ بْنِ مُحَمَّدِ البَصِرِي المعروف بِشَيخِ الجَبَلْ "سواء أكانت الأولى عام 1174م بمعسكره بحلب أو الثانية عام 1176م خلال حصاره لحصن "أعزاز"...
إن كان هذا حال السلطان معه فكيف بالأمراء وكبار رجال الدولة والذين كانوا بطبيعة الحال يهابونه ويبادرون لإرضائه؟!! ومن ذلك أن الشيخ قد بلغه أن "الملك المظفر تقي الدين عمر بن الأمير نور الدولة شاهنشاه بن نجم الدين أيوب " ابن أخي السلطان صلاح الدين له مواضع(أماكن ) يباع فيها المزر (نبيذ الشعير والحنطة والحبوب ، وقيل : نبيذ الذرة خاصة) وبعث لصلاح الدين بهذا الخصوص فأمر "صلاح الدين" ابن أخيه بزيارة الشيخ وتطييب خاطره ولما جاءه حاجب "المظفر" نيابة عنه وقال له :" تقي الدين يسلم عليك" . فقال "الخبوشاني " قل :" بل شقي الدين لا سلم الله عليه" ، قال الحاجب :" إنه يعتذر ، ويقول : ليس له موضع لبيع المزر" . قال الشيخ : "يكذب ". فعاد الحاجب لمحاجاته وإنكار التهمة عن سيده قائلا : "إن كان ثم مكان لبيع المزر ، فأرناه" .واغتاظ الشيخ والجلي أنه لم يكن من المكترثين بالتوجيه النبوي " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" فقال للحاجب وعلامات التهور المعهودة على محياه : "ادن" . فدنا الحاجب، فأمسك الشيخ بشعره وذؤابتيه ، وجعل يلطم على رأسه ، ويقول :" لست مزارا فأعرف مواضع المزر "، فخلصوه من بين يديه وهكذا تحمل الحاجب عن "تقي الدين "ضربات الشيخ المؤلمة .
وحدث أن جاءه ابن السلطان "الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان بن صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادى ابن مروان الأيّوبى" زائراً وصافحه ، فطلب ماء ، وغسل يده ، وقال : يا ولدي إنك تمس العنان ، ولا يتوقى الغلمان ، قال : فاغسل وجهك ، فإنك مسحت وجهك . قال : نعم ، وغسله .
ويمكن قراءة هذا النصح على وجهين في كلاهما نفع للمتلقى في زمنه ولقارىء اليوم أما الأول فمن زاوية (غسيل الأيدي hand hygiene) كركيزة أساسية في (مكافحة العدوى infection control ) فلربما نما لعلم الشيخ الخارق ما يتعدى حدود زمنه من معارف فوجد أن غسيل الأيدي بعد المصافحة واجب لكونها ملامسة لأسطح تتزايد مخاوف تلوثها (مثل الإمساك بالعنان وهو لجام الدابة والذي ينتقل بين أيدي غلمان العزيز دون تحرز من احتمالية إصابة بعضهم بالأمراض المعدية أو انتقال الأمراض إليهم من الدواب) وفي ذلك لا ينبغي أن ننس أن موطنه نيسابور شهد العديد من الطواعين الخطيرة لدرجة أن السكان استخدموا المقابر الجماعية لدفن موتاهم ومع نفوق الحيوانات وصل بهم الأمر إلى أكل الكلاب والبشر بل ونبش القبور وأكل الموتى وهي فواجع كفيلة بأن تعلم المرء أساليب الوقاية وتجعله الأحرص على أداء فروضها . الوجه الآخر للقصة أن الشيخ ربما قصد بفراسته المعهودة التورية ناشدا منها النصح من وقوع "العزيز" في فخ مخالطة رفقاء السوء خاصة الخدم والغلمان ووجوب تطهير نفسه منهم ومن نصائحهم التي تدعو للفرقة والخلاف ..
ومن علاقات الشيخ بالصفوة نمضى للعامة وما ترويه الروايات عنه أنه كان قاسيا ، متعصبا مع أهل الذمة يهم بقتل من يصادفه منهم راكبا دون جريرة أو ذنب وحدث أن ظفر بطبيب يدعى "ابن شوعة" ، فأندر عينه بعصاه ، فذهبت هدرا . في المقابل نجد سيرته تتضمن شيئا من الرقة والرفق بالحيوان فكان إذا ركب حماره جعل تحته أكسية لئلا يصيبه عرقه.!!
ومن بركاته التي تناقلتها ألسنة العامة أن ابن أبي حصيبة مدحه بقصيدة وطلب منه الدعاء لابنته المقعدة فدعا لها وبعد ثلاثة أيام قامت تروح وتغدو كأن لم يكن بها بالأمس بأس.
من أعظم مآثر الشيخ -موضوع حلقتنا- هي قيامه على المدرسة الصلاحية أو الناصرية (تاج المدارس) التي انشئت بأمر السلطان صلاح الدين على غرار المدارس النظامية سالفة الذكر وبحكم كون السلطان و الشيخ شافعيين المذهب ولأن المدرسة استهدفت تدريس هذا المذهب على الأخص فقد اختارا أن تكون بجوار قبر الإمام الشافعي وكانت على اتساعها أشبه بجامعة وأوقف عليها حماما وفرنا وحوانيت وجزيرة الفيل ورتب السلطان للشيخ شهريا أربعين دينارا عن التدريس وعشرة دنانير عن النظر في أوقاف المدرسة وخصص له يوميا ستين رطلا من الخبز وراويتين من ماء النيل..
لكن ما يعاب على الشيخ "الخبوشاني" نبشه عظام "ابن الكيزاني " بزعم إلحاده ونقلها من موضعها بجوار الشافعي قائلا : "لا يكون صديق وزنديق معا "..
ولا أرى في هذا الفعل إلا افتراء وفعلا غير إنساني لا يمكن تبريره أو إلباسه ثوبا أخلاقيا دينيا فالرجلين متعاصرين وسيرتهما متشابهة ولا يعدم التباغض والتحاسد بينهما قربا من صلاح الدين..
و"شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن ثابت بن فرج الانصاري، المصري، الشافعي المعروف بابن الكيزاني (نسبة لصناعة الكوز المستخدم في الشراب)"، لمن لا يعرفه هو فقيه وشاعر وهو صاحب الطريقة الكيزانية أولى الطرق الصوفية في مصر والتي وصلت لأوج شهرتها ما بين بلبيس بمصر وحتى سواحل الشام وكان شديد الزهد والفقر يخالج كل تفاصيل حياته على مرأى ومسمع من طلابه ومريديه ورغم ذلك كان يبادر لمساعدتهم فيقول"شمس الدين السخاوي" عنه أنه كان"يأكل من كسبه ويتصدَّق بالباقي، وكان يأتيه الطالب ليقرأ عليه فيجده جوعاناً فيطعمه، وعرياناً فيكسوه ويعطيه العمامة، حتى يجد في نعله شيئاً مقطوعاً فيخرزه بيده"، كما كان شعره جياشا في العشق ومفرطا في الحكمة ومن أشعاره في الحب :
"والله لولا أنَّ ذكرَكَ مُؤنسِى
ما كان عيشِـي بالحياةِ يطيبُ
ولئن بكَتْ عينِي عليكَ صبَابةً
فلكُلِّ جارحةٍ عليكَ نحيبُ
أتظنُّ أنَّ البُعدَ حلَّ مودَّتي
إن بانَ شخصُكَ فالخيال قريبُ"
وفي الحكمة وحسن اختيار الصديق يقول :
"تَخَيَّرْ لنفسكَ من تصطفيــهِ
ولا تُدْنِيَـنَّ إِليـكَ اللِّئامـا
فليس الصَّدِيق صديقَ الرَّخاء
ولكنْ إذا قَعَدَ الدهـرُ قامـا
تنـامُ وهمَّتـُــه في الذي
يَهُمُّـكَ لا يَسْـتَلِذُّ المنـامـا
وكمْ ضاحكٍ لك أحشـــاؤُه
تَمنَّاك أَن لو لَقِيتَ الحِمـامـا"
وهي أشعار في مجملها تخلو مما يمكن أن يتهم بشأنه "ابن الكيزاني" في دينه أو ارائه ..
كما حفظت لنا سيرة "الخبوشاني" مشاهد من تأجح الصراع بينه وبين الحنابلة ومعارك صال فيها وجال . . ومن شدة تعظيمه وتوقيره للشافعي أن أتاه القاضي الفاضل (عبد الرحيم البيساني) وزير السلطان في المدرسة ، فرآه يلقي الدرس ، فجلس وجنبه إلى قبر الشافعي ، فصاح : "قم قم ، ظهرك إلى الإمام ؟ !" فقال الفاضل مبررا : "إن كنت مستدبره بقالبي ، فأنا مستقبله بقلبي (يقصد أنه وإن كان ظهره أو جسده للقبر فهذا لا يمنع احترامه وتقديره لصاحبه )" . فصاح فيه ، وقال : "ما تعبدنا بهذا" ، فخرج وهو لا يعقل(أي مندهشا) .
وحينما دنت ساعة الأجل، رحل "الخبوشاني" في يوم ١٢ ذو القعدة عام ٥٨٧ هجرية ودفن في قبة تحت رجلي الإمام الشافعي وكفن في كسائه الذي جاء به من "خبوشان "وقيل بعد وفاته عثر على ألوف الدنانير المملوكة له بما يخالف سيرته من أنه كان شديد الزهد والتقشف فعلق "صلاح الدين"على ذلك مصدوما بقوله :"يا خيبة المسعى!" وذلك بحسب ما جاء في كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي..
د. محمد فتحي عبد العال
باحث تاريخي وأديب وقصاص مصري
الدكتور محمد فتحي عبد العال بجوار لوحة أثرية تحمل اسم السلطان صلاح الدين