مصر وإفريقيا.. أمنٌ مشترك ومصيرٌ واحد

16-2-2026 | 15:29

عكس الحضور المصري القوي داخل أروقة الاتحاد الإفريقي، خلال القمة الإفريقية التاسعة والثلاثين، الدور المحوري للقاهرة في معالجة الملفات "الإفريقية - الإفريقية"، وصياغة خارطة طريق تهدف إلى ربط التنمية بالأمن، وتعزيز مفهوم الريادة الذي ترسخ خلال العقد الأخير. 

إن القارة الإفريقية اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم؛ تتقاطع فيه أزمات الأمن والتنمية مع رهانات المستقبل، في وقت تعيد فيه القوى الدولية تموضعها داخل القارة بحثًا عن النفوذ والموارد. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور المصري بوصفه عنصرًا فاعلاً في منظومة العمل الإفريقي المشترك، انطلاقًا من إدراك راسخ لوحدة المصير وتشابك الملفات.

ويُمثّل البعد الإفريقي ركيزة أساسية في عقيدة الأمن القومي المصري؛ حيث تنظر القاهرة إلى أمن القارة باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها الوطني. فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وعمقها الإفريقي، تتأثر بشكل مباشر بما تشهده القارة من نزاعات مسلحة، وتمدد للجماعات الإرهابية، وتغيرات ديموغرافية واقتصادية متسارعة، فضلًا عن التحديات المتزايدة المرتبطة بالأمن المائي والتغير المناخي. ووفق تقديرات الاتحاد الإفريقي، فإن أكثر من 15 دولة إفريقية تعاني حاليًا من نزاعات مسلحة أو تهديدات أمنية حادة؛ مما يعكس هشاشة بنية الاستقرار في أجزاء واسعة من القارة ويستوجب تدخلًا فاعلًا.

ومن هذا المنطلق، أعادت مصر خلال السنوات الأخيرة تكثيف حراكها الدبلوماسي داخل الأطر الإفريقية، سواء على مستوى الاتحاد الإفريقي، أو مجلس السلم والأمن، أو التكتلات الاقتصادية الإقليمية؛ إدراكًا منها بأن التعامل مع هذه التحديات لا يمكن أن يتم بشكل منفرد، بل عبر مقاربة جماعية أكثر فاعلية. وقد شهد عام 2025 حضورًا مصريًا لافتًا داخل هذه المؤسسات، لم يقتصر على المشاركة الشكلية، بل اتسم بطرح رؤى سياسية وأمنية تعكس خبرة الدولة المصرية في إدارة الأزمات الإقليمية، وسعيها إلى ترسيخ مبدأ "الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية"، بعيدًا عن منطق الاستقطاب أو الوصاية الخارجية.

وفي مجال دعم السلم والأمن، يظل الدور المصري أحد الأعمدة الرئيسية داخل القارة؛ حيث تُعد مصر من أكبر الدول الإفريقية المساهمة في بعثات حفظ السلام، سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي. ولا يقتصر هذا الدور على الانتشار الميداني، بل يمتد إلى برامج بناء القدرات، وتدريب الكوادر الإفريقية في مجالات تسوية النزاعات، ومكافحة الإرهاب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة؛ إدراكًا بأن غياب الاستقرار يظل العائق الأكبر أمام أي مسار تنموي حقيقي. وتنطلق هذه المقاربة من رؤية شاملة تربط بين الأمن والتنمية بوصفهما مسارين متلازمين؛ فالتجربة الإفريقية أثبتت أن المعالجات الأمنية وحدها لا تكفي، تمامًا كما أن مشروعات التنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة مضطربة.

وعلى الصعيدين السياسي والاقتصادي، كثّفت مصر تحركاتها الرامية إلى بلورة مواقف إفريقية أكثر تنسيقًا تجاه القضايا الدولية، سعياً لتقليص فجوة التمثيل وتعزيز الصوت الإفريقي داخل المحافل العالمية. أما اقتصادياً، فتدرك القاهرة أن الاستقرار المستدام يمر عبر بوابة التكامل، خاصة أن حجم التجارة البينية الإفريقية لا يزال يتراوح بين 15% و18% فقط. ومن هنا، تبرز أهمية "منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية" كأحد أهم المشاريع الإستراتيجية التي تدعمها مصر عبر تشجيع الاستثمارات وتنفيذ مشروعات بنية تحتية إقليمية.

وختامًا، تعيد مصر اليوم ترسيخ موقعها الطبيعي كشريك أصيل في صناعة المستقبل الإفريقي؛ ففي ظل عالم تزداد فيه التحديات، تظل الشراكة الإفريقية بالنسبة لمصر رهانًا إستراتيجيًا يجمع بين الأمن، والتنمية، ووحدة المصير.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: