امتلأت الشوارع والحارات بأوراق الزينة الممتدة بخيوط بين شرفات البيوت، كأنها خيوط الروح تربط أطراف القلوب ببهجة مقبلة مع إقبال الشهر الفضيل، تزينت الشوارع بالأوراق الملونة والأضواء، وتتزين القلوب بمساحة من الهدأة والطمأنينة، لتدبر عبادة الصوم بمعنييها الفعلي والمجازي، وإذ ندعو رب السماوات والأرض الذي جعل "رمضان" رحمة ومغفرة وعتقًا من النار، بأن يبلغنا الشهر الكريم ونحن بعافيتنا وأن يعيننا على الصوم، فإننا كذلك ندعوه لأن يخلص قلوبنا وأرواحنا ونفوسنا من أي ضغائن، ويملأها بحبه وحب الناس والخير. ساعات معدودة ويهل علينا شهر رمضان الكريم بكل ما يحمله من معانٍ نبيلة ونفحات وعطاء بلا حدود، ومحبة إلهية للخلق تجعل الأرض ومن عليها كأنهم في أجواء معزولة عن الدنيا وزحامها وصراعها وآلاتها والتنافس المادي والجمود، للحاق بتنافس روحاني يُعلي من سمو الروح والإنسان.
ولعلنا قد وعينا بأن استقبال الشهر الفضيل ليس طقسًا زمنيًا يتكرر، لكنه لحظة مراجعة كبرى لقلوبنا ونفوسنا وعلاقاتنا، ولعلنا كذلك نستحضر قول الشاعر أبي الفتح البستي: "أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان"، وحين يهل علينا الشهر الكريم الفضيل الحبيب، لا يكون المدعو إلى الصيام جسدًا وحسب، لكنها الروح في المقام الأول، نصوم عن الضغائن والأحقاد كما يصوم الجسد عن الطعام، ونمتنع عن التباغض كما نمتنع عن الشراب.
ولنعلم أن أكثر ما يفسد بهاء الشهر هو أن تدخله بقلب مثقل بالتباغض، فتخسر يا إنسان، يا من تحتاج لرحمة الله جوهر الشهر ورحماته. ولنتدبر معًا قول الله تعالى في الذكر الحكيم: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" في هذه الآية الكريمة الملهمة، نجد اختصارًا مكثفًا لفلسفة التعامل بين الناس كما يبينه الدين، فإن العفو ليس ضعفًا، بل رفعة، والإصلاح ليس تراجعًا، بل شجاعة في الخُلق. كذلك يمكننا تدبر قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا"، وهذه الأمور ليست هوامش زائدة على جانبي الحياة، وإنما في صميم الفضائل التي تُلح بصورة أكبر ونحن نستعد لاستقبال شهر رمضان، هذا الشهر الذي يفتح لنا أبوابه كأنها ذراعان تحتضنان الخلق بأريج المعاني الإنسانية الراقية المتعففة عن الصغائر، والسامقة بنا إلى أفق الرحمات.
فإذا كانت الرحمة والمودة عنوانًا أبرز لأعظم الشهور وأجلها، فكيف يستقيم معنى استقباله وهناك خصومة بين الأخ وأخيه، وقطيعة بين الجار وجاره، وجفوة بين الأقارب؟ ولعلنا نعلم أن القلوب المتنافرة تُعطّل الأثر الاجتماعي الطيب للشهر الطيب، وتحوله إلى مجرد طقسٍ شخصي معزول، بينما إرادة الله وجود مساحة وفرص دائمة لإعادة بناء الجسور. إن واقعنا المعاصر، من المؤسف، أن تتسع فيه دوائر الخلاف لأسباب كثيرة، لعل أبرزها الآن وسائل التواصل، وسرعة إطلاق الأحكام، وتضخيم التفاصيل الصغيرة حتى تغدو أسبابًا للعداء الذي يستمر طويلًا. مثل تعليق أو كلمة عابرة، أو منشور غير لائق، اختلاف اجتماعي وسياسي وأسري، حتى يتحول الموقف وإن كان صغيرًا إلى خصومة تكبر وتمتد، يسقيها الشيطان من ناره وينفخ فيها، وبمرور الوقت، تتراكم الأحقاد حتى تصير جزءًا من الهُوية النفسية للإنسان. وهنا تكمن الخطورة، إذ إن الحقد لا يدمر العلاقات فقط، بل يرهق القلب إرهاقًا كبيرًا ويستهلك الروح.
فهل علمنا ووعينا أن استقبال "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" بأفئدة ملؤها الصفاء وأرواح لا تعرف الضغائن، ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة اجتماعية ونفسية في المقام الأول؛ لأن الإنسان يبقى عاجزًا عن تذوق حلاوة العبادة وفي صدره ضيق، وقد جاء في الحديث أن الأعمال تُعرض على الله، فيُغفر لكل امرئٍ لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا.
فلنفهم أن التسامح لا يعني بالضرورة تبرير الخطأ أو إنكار الألم، لكنه يعني التسامي والتحرر من أسر الغضب، فحين يعفو الإنسان، فإنه يحرر ذاته وروحه من عبء ثقيل وكبير، ويعزز شعوره بالرضا، ويبلغ درجة كبرى من الاطمئنان وصفاء القلب الذي هو صحة للنفس قبل أن يكون فضيلةً أخلاقية.