التعليم والابتكار والشركات الصغيرة والمتوسطة: كيف يُغذي تطوير المواهب بيئة الشركات الناشئة؟

16-2-2026 | 12:15
التعليم والابتكار والشركات الصغيرة والمتوسطة كيف يُغذي تطوير المواهب بيئة الشركات الناشئة؟الدكتور ستيفن غلاسكو نائب رئيس كلية إدنبرة للأعمال بجامعة هيريوت وات دبي

لطالما كان الابتكار ـ ولا يزال ـ محرك النمو في الخليج العربي. وبفضل تبني أساليب مبتكرة، أصبحت المنطقة هى القوة الاقتصادية والاجتماعية التي نشهدها اليوم. ولا يبدو أن هذه الاستراتيجية الناجحة ستتغير، إذ تستثمر المنطقة في الذكاء الاصطناعي ومراكز الابتكار التي ستشكل أساس المشاريع الضخمة المستقبلية بكثافة، مثل إعادة تطوير مطار آل مكتوم الدولي في دبي، الذي سيصبح قريباً أكبر مطار في العالم وفقاً لعدة معايير.

موضوعات مقترحة

رغم أن النظرة السائدة قد توحي بأن الشركات الكبرى في المنطقة هي المحرك الرئيسي للابتكار، إلا أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تضم أقل من 250 موظفًا، هي التي تُسهم فعليًا في تعزيز الابتكار ودفع عجلة نموه في مختلف القطاعات. تُشكل هذه الشركات العمود الفقري للاقتصاد الإماراتي غير النفطي، حيث بلغ عددها 557 ألف شركة في عام 2022، مساهمةً بنسبة تصل إلى 63.5% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. ومن المتوقع أن يصل عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الإمارات إلى مليون شركة بحلول عام 2030. ومع ذلك، فبينما يُعد الاستثمار بالغ الأهمية لتحقيق الابتكار، إلا أنه لا بد من وجود قاعدة من الكفاءات البشرية المؤهلة للاستثمار فيها.

تُولي حكومة دولة الإمارات التعليم دورًا محوريًا في مسيرة الابتكار، من خلال تبنّي رؤية تتجاوز مجرد الاستثمار في المؤسسات التعليمية إلى بناء منظومة متكاملة تربط التعليم بالابتكار وسوق العمل. وتؤكد الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي 2030 على ضرورة تزويد الطلبة بمهارات تقنية وعملية، وتعزيز ريادة الأعمال، ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد، ضمن ركائز ترتكز على الابتكار والتكامل بين مكونات النظام التعليمي. وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه يعيد تعريف دور الجامعات، لتصبح حاضنات للمواهب ومحركات رئيسية لاقتصاد وطني متنوع، لا مجرد مؤسسات مانحة للشهادات.

الأهم من ذلك، أن هذه الاستراتيجية ليست مجرد كلام نظري، بل تتضمن مبادرات تهدف إلى نقل التعلم من قاعات المحاضرات إلى بيئة العمل الحقيقية. فعلى سبيل المثال، تُسلط الاستراتيجية الضوء على توجه "الخبرة المهنية الموسعة"، وبرامج التدريب المهني مثل التدريب العملي المباشر، والمشاريع المشتركة، وهي أنواع من التعلم المدمج بالعمل تُمكّن الطلاب من بناء حسّ تجاري ومهارات اتخاذ القرارات العملية في وقت مبكر. كما تدعو الاستراتيجية إلى تعزيز التعاون البحثي ومنصات التمويل التي تُشجع الشراكة بين مؤسسات التعليم العالي والقطاع الخاص، وهو عنصر أساسي إذا أرادت المنطقة تسريع انتقال الأفكار من المختبرات إلى المنتجات، ومن المنتجات إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة.

في الوقت نفسه، عززت دولة الإمارات العربية المتحدة إصلاح التعليم بإنشاء مؤسسات متخصصة تعكس توجهات الأولويات الوطنية. وكان تأسيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، التي أُعلن عنها كأول جامعة بحثية متخصصة في الذكاء الاصطناعي على مستوى الدراسات العليا في العالم، أكثر من مجرد خبر عابر، بل كان بمثابة تأكيد على ضرورة تنمية القدرات الرائدة (أبحاث الذكاء الاصطناعي والمهارات المتقدمة) محلياً، بدلاً من استيرادها عبر الشركات العالمية. وفي منطقة تُراهن بقوة على تبني الذكاء الاصطناعي، تُسهم مؤسسات كهذه في إعداد باحثين ومهندسين متخصصين، يُساهمون بدورهم في دعم الشركات الناشئة، وتعزيز فرق العمل التقنية في الشركات الصغيرة والمتوسطة، ورفع مستوى كفاءة منظومة الذكاء الاصطناعي ككل.

في غضون ذلك، تعمل دبي على بناء بنية تحتية للابتكار تربط المواهب بالمشاكل الحقيقية والعملاء الفعليين. ويحدد برنامج دبي للبحث والتطوير والابتكار، التابع لمؤسسة دبي للمستقبل، الأولويات، ويدعم البحث والتطوير، ويهدف إلى زيادة مشاركة القطاع الخاص في تمويل وإطلاق مشاريع البحث والتطوير. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن العديد من بيئات الابتكار لا تفشل في مرحلة توليد الأفكار، بل في مرحلة التنفيذ: وهي المرحلة الانتقالية المعقدة بين الاختبار والتحقق والتوسع. وتساهم أطر عمل البحث والتطوير والابتكار (عند تطبيقها بشكل جيد) في تقليص هذه الفجوة في التنفيذ من خلال تحويل البحث وقدرات الطلاب إلى مشاريع تجريبية يمكن للشركاء من القطاعين العام والخاص تبنيها فعلياً.

ثمّة منصاتٌ تجعل ريادة الأعمال والتعلم التطبيقي أمراً طبيعياً لا استثنائياً. تُقدّم منطقة 2071 التابعة لمؤسسة دبي للمستقبل نفسها كمساحةٍ للإبداع المشترك، تجمع المبتكرين مع المختبرات والبنية التحتية، وتُقرّبهم من الشركاء القادرين على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق. أما شبكة حاضنات الأعمال in5 التابعة لمجموعة تيكوم، فقد دعمت مئات الشركات الناشئة منذ عام 2013، وتوفّر مرافق النماذج الأولية والإرشاد والتدريب، فضلاً عن مساراتٍ للوصول إلى المستثمرين والأسواق. ويُعدّ نطاقها واسعاً، إذ أفادت دبي القابضة بأنّ in5 احتضنت ما يقارب 900 شركة ناشئة، وأنّ التمويل الذي جمعته منذ تأسيسها بلغ 3 مليارات درهم إماراتي (مع نموّ متوقع في عام 2023)، ما يُشير إلى مسارٍ ناضجٍ من "فكرة طالب" إلى "شركة ممولة من السوق".

على صعيد التمويل والتنظيم، وهما جانبان غالباً ما يُغفلان في النقاشات التعليمية، أنشأت دولة الإمارات العربية المتحدة بيئاتٍ تُمكّن المبتكرين من اختبار أفكارهم بأمان. فقد صُمم مختبر التنظيم (RegLab) التابع لسوق أبوظبي العالمي خصيصاً ليكون بيئةً تجريبيةً تنظيميةً تُعزز ابتكارات التكنولوجيا المالية في بيئةٍ خاضعةٍ للرقابة التنظيمية. وعلى المستوى الاتحادي، تُقدم دولة الإمارات أيضاً العديد من "البيئات التجريبية التنظيمية" ومنهجية مختبر التنظيم (RegLab) التي تهدف إلى استشراف وتطوير التشريعات المستقبلية للتقنيات الناشئة، وهو ما يُعد إضافةً هامةً للتعليم، إذ يُتيح للخريجين والمؤسسين تجربة نماذج جديدة دون انتظار سنواتٍ حتى تتطور الأطر التنظيمية. وفي دبي، يُقدم مركز الابتكار التابع لمركز دبي المالي العالمي نفسه كنظامٍ بيئي إقليمي واسع النطاق لشركات الابتكار، ويُعرّف نفسه بأنه موطن أول وأكبر مُسرّعٍ للتكنولوجيا المالية في المنطقة من خلال برنامج FinTech Hive.

وأخيرًا، يُجسّد مركز Hub71 في أبوظبي كيف تتعامل دولة الإمارات العربية المتحدة مع بناء منظومة ريادة الأعمال كنظام متكامل يشمل رأس المال، والحوافز، والشركاء، واللوائح التنظيمية الداعمة. عند إطلاقه، حظي Hub71 بدعم برنامج غدًا 21، من خلال صندوق حكومي مُعلن وحزم دعم للشركات الناشئة، وشركاء مؤسسين من بينهم مبادلة، ومايكروسوفت، وصندوق رؤية سوفت بنك، وسوق أبوظبي العالمي، وهو ما يُمثل الدعم المؤسسي الذي يُسهّل على الخريجين الموهوبين خوض غمار العمل في الشركات الناشئة بدلاً من اللجوء إلى خيارات أكثر أمانًا.

وتُظهر هذه المبادرات مجتمعةً خيارًا تصميميًا مدروسًا: إذ تُسهم دولة الإمارات العربية المتحدة في تشكيل التعليم ليس فقط من خلال المناهج والسياسات، بل أيضًا من خلال بناء حاضنات ومسرّعات أعمال، وأطر تمويل البحث والتطوير، وبيئات تجريبية، حيث تتحول المهارات إلى منتجات، والمنتجات إلى شركات صغيرة ومتوسطة الحجم وشركات ناشئة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: