وداعاً فارس القانون الدولي

15-2-2026 | 17:08
وداعاً فارس القانون الدوليوداعاً فارس القانون الدولي
من قاعات جامعة القاهرة إلى منصات التحكيم الدولي: سيرة عالمٍ صنع مدرسة قانونية عابرة للحدود
موضوعات مقترحة

مفيد شهاب وقضية طابا.. حين تحوّل النص القانوني إلى سلاح سيادي يسترد الأرض


وزير بين العِلم والسياسة: إدارة التعليم العالي وشئون البرلمان بعقلية الفقيه الدولي

تصريحاته عن مصر والسيادة والشرعية الدولية.. خطاب العالم الذي لم يفصل القانون عن الوطنية

الوداع الأخير.. كيف رحل الأستاذ وبقيت مدرسته شاهدة على زمنٍ من الانضباط والهيبة العلمية

حامد محمد حامد:

لم يكن العالم الكبير الأستاذ الدكتور مفيد شهاب مجرد أستاذ جامعي مرموق، ولا مجرد وزير سابق تقلّد مناصب رفيعة في الدولة المصرية، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في القانون الدولي؛ مدرسة تخرّج فيها أجيال من القضاة والدبلوماسيين وأساتذة الجامعات والباحثين من مصر والعالم العربي وحتى من دول أجنبية قصدوا القاهرة ليتتلمذوا على يديه.
كان اسمه يُذكر في المحافل الدولية فيُستدعى معه تاريخٌ من الانضباط العلمي والصرامة المنهجية والقدرة الفائقة على تحويل النصوص القانونية الجامدة إلى أدواتٍ حية للدفاع عن السيادة والحقوق.
في قاعات جامعة القاهرة لم يكن يدرّس القانون الدولي باعتباره مادة أكاديمية فحسب، بل كان يزرع في طلابه فكرة الدولة الحديثة، ومعنى الشرعية الدولية، وحدود القوة، وقيمة الوثيقة، وقدسية النص. وحين جلست مصر على طاولة التحكيم الدولي في قضية طابا، كان حضوره امتدادًا طبيعيًا لمسيرته؛ عالمٌ يعرف كيف تُستعاد الأرض بالقانون كما تُستعاد بالإرادة.
برحيله، فقدت مصر أحد أعمدة الفقه القانوني المعاصر، لكن إرثه العلمي والسياسي ظل ممتدًا في كل تلميذٍ حمل فكره، وفي كل سطرٍ كتبه دفاعًا عن مصر، وفي كل موقفٍ عبّر فيه عن إيمانه بأن القانون الدولي ليس ترفًا أكاديميًا، بل درع سيادة وأداة كرامة.

النشأة والبدايات

وُلد الدكتور مفيد شهاب في بيئة مصرية أصيلة، نشأ فيها على تقدير العلم والانضباط والجدية. منذ سنواته الأولى، بدت عليه ملامح التفوق الأكاديمي، فاتجه إلى دراسة القانون في جامعة القاهرة، حيث برز اسمه بين أقرانه طالبًا متفوقًا شديد الاهتمام بالتفاصيل، واسع الاطلاع، يميل إلى التحليل العميق أكثر من الاكتفاء بالحفظ والتلقين.
اختار التخصص في القانون الدولي العام في مرحلة الدراسات العليا، وهو اختيار لم يكن شائعًا آنذاك بين الطلاب، نظرًا لصعوبته وتشابكه مع السياسة والتاريخ والعلاقات الدولية. لكنه رأى فيه أفقًا أوسع من حدود القاعات الدراسية رأى فيه علمًا يتقاطع مع مصير الأمم.
حصل على درجته العلمية الرفيعة في القانون الدولي، وتدرّج في السلك الجامعي حتى أصبح أستاذًا للقانون الدولي وتولى رئاسة الجامعة نفسها، في مسارٍ لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة طبيعية لتراكم علمي وإداري منضبط.

أستاذ الأجيال

لم يكن الدكتور مفيد شهاب أستاذًا تقليديًا. كان صارمًا في منهجه، دقيقًا في عبارته، لا يقبل التهاون في استخدام المصطلح القانوني. كان يكرر على طلابه أن “الخطأ في كلمة قد يضيع حق دولة”، في إشارة إلى حساسية النصوص الدولية.
تتلمذ على يديه علماء بارزون في مصر والعالم العربي، وبعضهم شغل مناصب قضائية ودبلوماسية رفيعة. وكان يؤمن بأن الجامعة ليست مكانًا لمنح الشهادات، بل مصنعًا للعقول. لذلك حرص على تشجيع البحث العلمي، والانفتاح على المدارس القانونية المقارنة، وربط الدراسة النظرية بالواقع الدولي المتغير.

الإدارة بعقلية الفقيه

حين تولى رئاسة جامعة القاهرة، لم يتخلَّ عن هويته الأكاديمية. كان يرى أن الإدارة الجامعية امتداد للمنهج العلمي ووضوح في الرؤية، والتزام باللوائح، واحترام للمؤسسية.
شهدت الجامعة في عهده انضباطًا إداريًا ملحوظًا، ودعمًا للبحث العلمي، وتعزيزًا لمكانتها الإقليمية.
لم يكن يميل إلى الصخب الإعلامي، بل كان يفضل العمل الهادئ المتراكم. كان يؤمن أن الجامعة العريقة تُدار بالتقاليد الراسخة لا بردود الأفعال المؤقتة.

طابا.. القانون يسترد الأرض

تُعد قضية طابا علامة فارقة في مسيرته، بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، نشأ خلاف حول تبعية منطقة طابا. ولجأت الدولتان إلى التحكيم الدولي. في هذا السياق، برز دور الدكتور مفيد شهاب ضمن الفريق المصري القانوني الذي تولى الدفاع عن الحق المصري أمام هيئة التحكيم.
كانت المعركة قانونية بامتياز خرائط، وثائق عثمانية، مراسلات دولية، ومحاضر رسمية. وهنا تجلت خبرته العميقة في قراءة الوثيقة وتحليل السياق التاريخي. لم تكن القضية مجرد نزاع حدودي، بل اختبارًا لقدرة مصر على استخدام أدوات القانون الدولي لاسترداد حقها.
وحين صدر حكم التحكيم في 1988 بأحقية مصر في طابا، اعتُبر ذلك انتصارًا للشرعية الدولية وللفريق القانوني المصري الذي كان الدكتور مفيد شهاب أحد أبرز رموزه. لقد أثبت أن النصوص، حين تُقرأ بعين الخبير، يمكن أن تعيد رسم الخرائط.

وزير التعليم العالي والبحث العلمي

عندما تولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، نقل معه فلسفته الأكاديمية إلى مقعد الوزير. كان يؤمن بأن تطوير الجامعات لا يكون بالشعارات، بل بوضع معايير واضحة للجودة، ودعم البحث العلمي، وربط التعليم بسوق العمل.
عمل على تحديث اللوائح، وتوسيع آفاق التعاون الدولي بين الجامعات المصرية ونظيراتها في الخارج، وسعى إلى تعزيز مكانة الباحث المصري في المحافل الدولية. كان حريصًا على أن تظل الجامعة المصرية بيتًا للفكر لا ساحة للاستقطاب.

وزير شؤون مجلسي الشعب والشورى

في موقعه كوزير لشؤون مجلسي الشعب والشورى، ظهر وجه آخر لشخصيته؛ وجه الفقيه الذي يفهم النص الدستوري ويجيد تفسيره. كان يتعامل مع البرلمان بعقلية قانونية، حريصًا على الانضباط التشريعي واحترام الإجراءات.
لم يكن يميل إلى الخطابة السياسية، بل إلى الحجج القانونية. وكان يؤكد دائمًا أن الدولة الحديثة تقوم على احترام الدستور والقانون، وأن الشرعية هي أساس الاستقرار.

تصريحاته عن مصر والسيادة

كان الدكتور مفيد شهاب واضحًا في مواقفه تجاه مصر، كان يرى أن السيادة ليست شعارًا، بل منظومة متكاملة من الالتزام بالقانون الدولي واحترام المعاهدات والدفاع عن الحقوق بالوسائل المشروعة.
في أحاديثه عن طابا، كان يؤكد أن مصر لم تستعد الأرض بالقوة، بل بالحجة والوثيقة، وأن ذلك يعكس ثقة الدولة في أدوات الشرعية الدولية. وكان يكرر أن “القانون الدولي ليس منحازًا بطبيعته، بل ينتصر لمن يُحسن استخدامه”.

الرحيل.. وبداية الخلود

جاء خبر وفاته كصدمة للوسط الأكاديمي والقانوني في مصر والعالم العربي. توالت بيانات النعي من الجامعات والمؤسسات القانونية، واستعاد تلاميذه ذكريات المحاضرات الصارمة، والنقاشات العميقة، والتصحيحات الدقيقة على هوامش الأبحاث.
ولم يكن المشهد مجرد وداع لشخص، بل وداع لجيل من الأساتذة الذين جمعوا بين الرصانة العلمية والهيبة الشخصية. رحل الجسد، لكن المدرسة باقية؛ في الكتب، وفي الأبحاث، وفي العقول التي صاغها.
وبرحيل العلامة الكبير الاستاذ الدكتور مفيد شهاب، تطوي مصر صفحة من صفحاتها القانونية المضيئة، لكنها لا تغلقها؛ لأن الرجال من هذا الطراز لا يُختصرون في تاريخ وفاة، ولا يُختزلون في منصب شغلوه.
لقد كان فارسًا من فرسان القانون الدولي، حمل النص بيد، وحمل الوطن في القلب، وأثبت أن المعركة من أجل الأرض والكرامة قد تُخاض في قاعة تحكيم كما تُخاض في ميادين أخرى.
سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة جامعة القاهرة، وفي سجل قضية طابا، وفي ضمير كل طالبٍ تعلّم منه أن الكلمة القانونية قد تكون حدود وطن.
 

اقرأ أيضًا: