رمضان ليس ككل الشهور؛ فيكفيه قول رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه": "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم".
من الاستعداد الجيد للفوز بكنوز رمضان الاهتمام بالنية وألا نصومه كعادة أو للخوف فقط من الحرمان من ثواب الصيام؛ فلتكن النية طاعة الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأن يكون رمضان "بداية" للتقرب من الله عز وجل بما يرضيه عنا من القول والفعل في رمضان وطوال العمر..
ففي الحديث الشريف" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". ولنحرص على نية إرضاء الله عز وجل، وتجديد العبودية للخالق سبحانه وتعالى وطاعته ما استطعنا والتراجع عما لا يرضيه عنا أولًا بأول.
ما نستعد إليه جيدًا ونخطط للفوز به ولمنع ما يعطلنا ويجعلنا بعون الله وفضله وتوفيقه ومشيئته "أقرب" للفوز والعكس صحيح؛ فعدم الاستعداد لشهر رمضان "يسمح" بتسرب أيامه ولياليه دون الاستفادة القصوى منه.
الاستعداد بالعقل يبدأ بتذكير النفس بأن مجهود الصيام وقيام الليل منحة عظيمة وفرصة قد لا تتكرر للفوز برضا الرحمن "وليس" عبئًا أو فرصة لإنقاص الوزن أو تحسين الصحة كما تكثر المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي "فتفرغ" الصيام من أهم مكاسبه ومن أطهر النوايا.
ما نراه عبئًا نفعله بمجهود أكبر وما نراه نعمة نؤديه برضا وبمجهود أقل، وما نراه وسيلة للفوز بكنوز سنجتهد للحصول عليه ولا يوجد أعظم من كنوز رمضان.
التركيز على ليلة القدر وحدها خطأ شائع ففي كل ليلة كنوز يمكن الفوز بها مع الاهتمام بالطبع بليلة القدر.
استعداد العقل بتقبل مشقة الصيام برضا وفرح بنعمة الصيام والفرح يذيب المشقة ويساعد العقل على "ترتيب" المسئوليات أثناء الصيام وطرد ما لا يلزم أو يستنزف الجهد بلا داع والتركيز على الأهم فقط، "وادخار" الطاقات للفوز بصيام بأقل مجهود.
من الاستعداد بالعقل؛ تنظيم الوقت والتخطيط للفوز بأفضل ما يمكننا والاعتدال في توقعاتنا من النفس فلا إفراط في التوقعات فلا نستطيع الالتزام بها فنحبط أنفسنا بأيدينا وقد يدفعنا الإحباط إلى التكاسل وفعل الأقل، وعدم وضع الحد الأدنى أيضًا من العبادات فنحرم أنفسنا من مكاسب رمضان.
من الاستعداد بالقلب الحرص على تهيئة القلب للتخلص من الشوائب التي "تمنع" فوزه بمكاسب الصيام؛ ولا قلب لا تزوره الشوائب أحيانًا، وتذكر الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه وتعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به".
وتدبر الآية الكريمة:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، وقول رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه: التقوى ها هنا" وأشار إلى صدره ثلاث مرات.
وقول الإمام علي كرم الله وجهه: "التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".
من الاستعداد بالقلب تجديد شكر الرحمن بالقلب قبل اللسان على نعمة بلوغنا رمضان وعلى نعمة القدرة على الصيام حتى مع المشقة، وترديد الآية الكريمة بحب وشكر يزيد ولا ينقص: "وما بكم من نعمة فمن الله"، والمسارعة بطرد أي ذرة من الغرور بالطاعة بالصيام أو بالتصدق وغير ذلك من العبادات، وتذكير النفس فورًا بالآية الكريمة:" "بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين"، ونوصي بمراقبة القلب أولًا بأول "لطرد" الإعجاب بالنفس عند تحسن العبادات حتى لا يدخل الكبر في القلب؛ وهذا أبشع الخسائر أو الاعتماد عليها، وتذكر الآية الكريمة: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ".
مع طرد أيضًا القسوة على النفس عند التراجع وهو أمر طبيعي؛ فلا أحد رائع دائمًا، فالقسوة تؤلم "وتنهك" العقل والقلب الجسد وتتسبب في المزيد من التراجع ولو بعد حين، أو في تأدية العبادات بسرعة وكأننا في ماراثون أو سباق مع النفس أو مع الآخرين..
والأصل في كل العبادات الطمأنينة والتفهم والوعي والتركيز والخشوع وتجديد العبودية، وليس تحقيق معدلات أسرع كما يفعل الكثيرون من الجنسين ومن كل الأعمار؛ فيظلمون أنفسهم.
نود التنبه إلى ضرورة الامتناع عن ذكر العبادات التي "يمن" الله بها على الناس في الواقع أو على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لمنع أي ذرة من الرياء من الوصول إلى القلب فتحرمنا من "نعمة" الإخلاص، وأن يكون لكل منا "خبيئة" خاصة به في عباداته في رمضان وطوال العام لا يخبر عنها أحدًا مهما كان من المقربين.
نتفق مع وصف الأديب النبيل مصطفى صادق الرافعي شهر رمضان بأنه مدرسة الثلاثين يومًا؛ إذ يتعلم الإنسان خلال هذه الثلاثين يومًا تأديب نفسه روحيًا وخُلقيًا وتهذيب الروح.
ونود الاجتهاد بطمأنينة "ومثابرة" لتكون نوايانا وعباداتنا وتعاملاتنا في رمضان هذا العام أفضل من كل الأعوام السابقة "وبداية" لنكون خير وأحب إلى الرحمن دائمًا وأبدًا.