مستقبل الذكاء الاصطناعي في الأجل البعيد

14-2-2026 | 14:21

في الفصل الأخير من رواية أولاد حارتنا للأديب نجيب محفوظ، تظهر شخصية محورية تُدعى عرفة — رمز المعرفة والعلم. كان عرفة في الرواية ساحرًا، أو بالأحرى عالمًا، يحتفظ بكراسة يدوّن فيها أسرار علومه وتجربته. بعض اختراعاته كانت للشفاء، وبعضها لتخفيف معاناة أهل الحارة، لكن أخطرها كانت قنبلة سرّية استخدمها للقضاء على أحد البلطجية الذين يحرسون الناظر — رمز السلطة والحاكم، ضمن خطة لتحرير الحارة من استعباد الفتوات.  

لم يكن الناظر غافلًا عمّا حدث؛ فقد كانت له عيون منتشرة في كل مكان. لكنه لم يغضب، ولم يحاكم عرفة، بل استدعاه إلى لقاء سري، وعرض عليه صفقة: أن يصنع له قنابل مماثلة، مقابل ثراء ونفوذ بلا حدود. كان الناظر - مثل عرفة - يرغب في القضاء على الفتوات ليس لتحرير الحارة، ولكن لأنهم يقاسمونه الريع..

وهكذا تحوّل عرفة من صاحب علم يحلم بخلاص الحارة، إلى أداة في يد السلطة، ثم إلى عبد لا يستطيع الإفلات من رقابة الناظر، الذي كان يحصي عليه أنفاسه وهمساته داخل القصر الذي شيده له، وحين حاول عرفة الهرب، لا لينجو بنفسه فقط، بل لينقذ الحارة من الاستعباد، أُلقي القبض عليه وقُتل.

الرواية زاخرة بالرموز، لكن حلم عرفة كان واضحًا وبريئًا في جوهره: أن يُسخَّر العلم لحل هموم البشر، وأن يتحوّل الجميع إلى “سحرة” — أي إلى كائنات تمتلك المعرفة والقدرة، وتتحرر من استعباد الفقر والحاجة — فيصبح العالم أكثر عدلًا، وتسوده الوفرة، ويختفي القهر.

وللمفارقة، قد يكون هذا الحلم — في صورته المجرّدة — قريبًا مما يعد به الذكاء الاصطناعي في الأجل البعيد؛ ففي سيناريو طويل المدى، يمكن تخيّل عالم تختفي فيه معظم الوظائف الروتينية: السيارة تقود نفسها دون سائق، الطعام يصل عبر الطائرات المسيّرة، روبوتات تؤدي الأعمال اليومية، الفحوصات الروتينية تتم دون تدخل بشري مباشر، والنقود — أو ما يحل محلها — تنتقل في ثوانٍ بلا احتكاك. عالم تتوافر فيه الطاقة والغذاء ووسائل الرفاهية بأسعار متدنية، ويصبح البقاء ذاته أقل كلفة مما عرفه الإنسان عبر تاريخه.

في عالم كهذا، قد يبدو أن كل ما كان يستهلك وقت الإنسان وطاقته قد أُزيح جانبًا. وهنا يفرض السؤال نفسه: ماذا يتبقّى لنا إذن؟

ربما يتبقّى: القراءة، والتفكير، وفهم أعمق لأسرار الكون، والإبداع، والفنون، واللغة، والتعبّد، والتطوّر الروحي والأخلاقي. أي أن يتحوّل الإنسان من كائن يلهث وراء الضرورة، إلى كائن يتأمل المعنى.

قد يبدو هذا التصوّر طوباويًا، وربما ساذجًا في نظر البعض. لكنه ليس مستحيلًا تقنيًا بحد ذاته، بل مشروط بشيء واحد بالغ الخطورة: طريقة إدارة الذكاء الاصطناعي.

فالعلم — كما يُذكّرنا نجيب محفوظ — ليس خيرًا أو شرًا في ذاته. الفارق دائمًا في: من يملكه؟ ولماذا يُستخدم؟ وهل يُسخَّر لتحرير البشر، أم لمراقبتهم واستعبادهم باسم توفير الأمن؟

الخطر الحقيقي في مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يكمن في أن تحل الآلة محل الإنسان، بل في أن يتحوّل العلم نفسه إلى أداة في يد “ناظر” أكثر ذكاءً، وأوسع نفوذًا، وأقل قابلية للمحاسبة من أي سلطة عرفها التاريخ.

والسؤال الذي يظل مفتوحًا:

هل سيجعلنا الذكاء الاصطناعي جميعًا “سحرة” كما حلم عرفة؟ أم سيمنح السحر لقلة، ويترك الأغلبية تحت رقابة ناظر لا يرحم؟!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
بين الوعد الإلهي ومنطق الدولة

في حوار مطوّل جمع بين الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، لم تكن الأسئلة سهلة، ولم تكن الإجابات مقنعة.

مناقشة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في مؤتمر دافوس

في مؤتمر دافوس الأخير، تنبأ إيلون ماسك بمجتمع الوفرة ؛ حيث سيكون هناك روبوت يخدم كل إنسانٍ، ولن تعود البشرية في حاجةٍ للعمل بالمعنى التقليدي. وحين سأله