«بين مخطوط البغدادي ورسائل السيوطي» نُجيب على السؤال الشائك.. هل والد النبي وأمه من أهل الجنة؟

14-2-2026 | 09:59
;بين مخطوط البغدادي ورسائل السيوطي; نُجيب على السؤال الشائك هل والد النبي وأمه من أهل الجنة؟ صورة تعبيرية
محمود الدسوقي

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام بما أثاره أحد الحسابات الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي عن مسألة ديانة والدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودخولهما الجنة من عدمه؛ حيث تضمن إدلاء صاحب الحساب بتصريحات دينية مغالطة بما يثير البلبلة في أوساط الرأي العام.  

موضوعات مقترحة

والحق أن التراث الديني والفقهي للأمة الإسلامية قد أجمع على أن والدي حضرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهل الفترة الذين لم يصل إليهم الدعوة والتبليغ، وعلى هذا الأساس توافق الفقهاء على نجاتهما من النار. 

مخطوط البغدادي

بدوره، كشف الدكتور عمر محمد الشريف، الباحث في التاريخ والتراث الإسلامي، عن مخطوطٍ نفيسٍ لم يُطبع بعد، ألّفه العلامة الشيخ داود بن سليمان البغدادي النقشبندي الخالدي الشافعي(1231- 1299هـ/ 1816-1882م)، بعنوان:«روضة الصفا في بعض مناقب والد المصطفى ﷺ». 

وقال الدكتور عمر محمد الشريف، في تصريح لـ«بوابة الأهرام»، إن المخطوط محفوظ في جامعة الملك سعود تحت رقم (2333)، مُضيفًا أن المؤلف أفرد في مخطوطه جملةٍ من مناقب السيد عبد الله والد النبي ﷺ، ومناقب السيدة آمنة بنت وهب ـ رضي الله عنهما ـ ، مقرِّرًا القول بنجاتهما؛ حيث قال في مقدمة كتابه: "فوجب على من تحلّى بحِلْية الإيمان، ورسخت في قلبه محبةُ سيد الأكوان، أن يزداد لوالدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إعظامًا، ويفتتن بهما غرامًا وهيامًا، حيث كان مخزونًا بهما الكنزُ الأعظم، ومنظومًا في سلكهما الجوهرُ الفردُ المنظَّم، فهما رضي الله عنهما سماءُ بدرِ المعالي، ومشكاةٌ من مصباحِ النورِ المتلالي، فيا لله من نعمةٍ لهما على العالمين، وما أشملَ بركتهما على المسلمين".

ومؤلف المخطوط هو الشيخ داود بن سليمان البغدادي ولد سنة 1231هـ بمدينة بغداد، ونشأ في بيت علم وصلاح، فحفظ القرآن الكريم، وأقبل على طلب العلم حتى نبغ مبكرًا، فكان يُقرئ الدروس وهو ابن ثماني عشرة سنة، بل ويقيّد الحواشي العلمية وهو في الخامسة عشرة؛ مما يدل على نبوغٍ لافتٍ في سنٍ مبكرة، تنقّل في طلب العلم والدعوة بين مكة المكرمة، حيث أقام قرابة عشر سنوات، ثم بغداد، فالشام، فالحجاز، فمصر، ثم الموصل، قبل أن يعود إلى بغداد، حيث استقر للتدريس والإرشاد حتى وفاته قبيل مغرب ليلة عيد الفطر سنة 1299هـ.

ومن أبرز مؤلفات داود بن سليمان البغدادي:

1 ـ أشدّ الجهاد في إبطال الاجتهاد (مطبوع).

2 ـ صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيمية وابن القيم (مطبوع).

3 ـ المنحة الوهبية في الرد على الوهابية (مطبوع).

4 ـ مناقب المذاهب الأربعة.

5 ـ دوحة التوحيد في علم الكلام.

6 ـ روضة الصفا في بعض مناقب والد المصطفى ﷺ.

7 ـ رسالة في الرد على محمود الألوسي.

8 ـ مُسلّى الواجد.

9 ـ تشطير البردة.

10 ـ نحت حديد الباطل وبرده في أدلة الحق الذابة عن صاحب البردة.

أما النسخة الخطية المحفوظة لكتاب «روضة الصفا في بعض مناقب والد المصطفى ﷺ» بجامعة الملك سعود، فقد نسخها محمد بابقي بن سالم الحضرمي سنة 1316هـ، أي بعد وفاة المؤلف بسبعة عشر عامًا.

ماذا قال الحافظ السيوطي في رسائله؟ 

وأوضح عمر محمد الشريف، أنمن أعظمَ من أفرد هذه المسألة بالبحث والتأليف أيضا خلاف البغدادي النقشبندي، الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى (849- 911 هـ / 1445- 1505 م)؛ إذ لم يقتصر على رسالة واحدة، بل صنّف ستة مؤلفات مستقلّة في تقرير نجاة والدي النبي ﷺ، واستقصاء أدلتها، والرد على معارضيها، وهي:

1ـ التعظيم والمنة في أن أبوي النبي في الجنة.
2ـ الدرج المنيفة في الآباء الشريفة.
3ـ السبل الجلية في الآباء العلية.
4ـ المقامة السندسية في النسبة المصطفوية.
5ـ مسالك الحنفا في والدي المصطفى.
6ـ نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين.

وتكاثر هذه المصنفات من حافظٍ ناقدٍ كالسيوطي يدلّ على أن المسألة لم تكن طرحًا عاطفيًا مجرّدًا، بل كانت مبحثًا حديثيًّا وأصوليًّا موسّعًا، جمع فيه الروايات، وناقش الأسانيد، واستعرض أقوال الأئمة، وأجاب عن الاعتراضات، مستعملًا أدوات التحقيق الحديثي نفسها.

ويضيف، محمد عمر الشريف، أن الكشف عن مخطوط «روضة الصفا» للبغدادي يضيف شاهدًا جديدًا إلى تراثٍ علميٍّ ممتد، ويؤكد أن القول بنجاة والدي النبي ﷺ سلكه جمعٌ من العلماء عبر القرون، دفاعًا عن مقام النبوة، وصيانةً لحرمة الجناب الشريف، وتوقيرًا لأصل النور المحمدي الكريم.

بيان الأزهر الشريف

وأكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن من المسائل التي استقر فيها قولُ المحققين من علماء الأمة سلفًا وخلفًا: القول بنجاة أبوي سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهما ليسا من أهل النار، وهو ما انعقدت عليه كلمةُ المذاهب الإسلامية المتبوعة، وجرى عليه علماءُ الأزهر الشريف عبر العصور.

وأوضح "الأزهر العالمي للفتوى" -في بيان له- أن إثارة هذه المسألة على وجه التشغيب أو التشفي أو إعلان بغض والدي النبي ﷺ؛ بغرض الظهور أو أي غرض آخر؛ خروج عن الأدب الشرعي المطلوب، بل هو مغامرة بالخروج من الإيمان بالرسول ﷺ وبرسالته، وقبل ذلك هو إيذاء واعتداء على مشاعر ما يقرب من ملياري مسلم، كلهم يبجل رسول الله ﷺ ويوقر كل ما يتصل به.

ولفت إلى إن الواجب على المسلمين جميعًا أن يتحلَّوا بالأدب مع مقام النبوة، وأن يُمسكوا عمَّا لا طائل منه إلا الفتنة، وأن يتركوا المسائل العلمية لأهلها من أهل العلم المتخصصين، وأن يشتغلوا بما يجمع الكلمة ويوحِّد الصف، لا بما يثير الشقاق والنزاع.

وقال الأزهر إن قول العلماء بنجاتهما مؤيد بجملة من الأدلة والبراهين، من أهمها:

▪️ أنهما من أهل الفترة؛ فقد انتقلا قبل البعثة النبوية، ومن مات ولم تبلغه الدعوة فهو ناجٍ؛ لقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سورة الإسراء: 15].

▪️ وأنهما كانا على الحنيفية السمحة، دينِ سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ مستدلين بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [سورة الشعراء: 219]، وبقوله ﷺ: «لمْ يزَلِ الله يَنْقُلُني مِن الأصْلاب الحَسَنةِ إِلىَ الأرْحَامِ الطَّاهِرَةِ، مُصَفَّى مُهَذَّبًا، لا تَتَشَعَّبُ شُعْبَتَانِ إِلا كُنْتُ فِى خَيْرهِمَا» [ذكره السيوطي في الجامع الكبير] وأن الله تعالى أكرم نبيه ﷺ بإحياء والديه له حتى آمنا به، وقد نصَّ جمع من الحفاظ على أن أحاديث الإحياء –وإن كان في أسانيدها ضعف– تتقوّى بمجموع طرقها، وتُروى في فضائل الأعمال.

وأكد أنه في إيمان والدي سيدنا النبي ﷺ ونجاتهما رضا له ﷺ، ومما يدل على ذلك ما أورده الإمام الطَّبَرِيُّ في "تفسيره" [24/ 487، ط: الرسالة] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تَفسير قوله تعالى: {ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [سورة الضحى: 5] قال: (مِن رِضا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يَدخُل أَحَدٌ مِن أهل بيته النارَ)اهـ.

كما صنف في إثبات نجاتهما جماعة من كبار الأئمة؛ في مقدمتهم الإمام الحافظ السيوطي الذي أفرد في ذلك ست رسائل، علاوة على ما كتبه العلماء قبله وبعده؛ نصرةً لمقام النبي ﷺ وتنزيهًا لآبائه الكرام.

أما الأحاديث التي استدلَّ بها البعض، وعلى رأسها رواية أنس رضي الله عنه: «إن أبي وأباك في النار»، فقد أكَّد أهلُ الحديث انفرادَ حماد بن سلمة بذكر هذا اللفظ، وقد خالفه معمر –وهو عند أئمة الحديث أضبط وأثبت– فرواه بلفظ: «إذا مررتَ بقبر كافر فبشره بالنار»، الأمر الذي يمنع الجزم بثبوت اللفظ الأول، لا سيما مع ما قيل في حفظ حماد، فقد تكلَّم بعض علماء الحديث في حفظه، وذكروا أن في حديثه مناكير؛ ولذا لم يُخرِّج له البخاري شيئًا، ولم يُخرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، وبناءً على ذلك، فإن رواية معمر أرجح وأثبت من رواية حماد.

ومما تجدر الإشارة إليه أن لفظ «الأب» قد يستعمل في لسان العرب –وفي القرآن الكريم– ويراد به العم، كما في قوله تعالى: {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} [سورة البقرة: 133]، والعرب تسمي العم أبًا.

ويُحتمل كذلك أن يكون النبي ﷺ قال ذلك على وجه المواساةِ للرجل وجبرِ خاطره، بعد انصرافه وحزنه، تسليةً له وتخفيفًا عنه، ببيان أن من قرابته ﷺ من لم يؤمن به، وقد ذهب بعض العلماء أيضًا إلى أن هذه الروايات منسوخةٌ بما ورد في حديث إحياء أبوي النبي ﷺ، وعلى ذلك فلا يصح اتخاذه مستندًا للطعن أو لمعارضة ما استقر عليه قول جمهور المحققين.

وإنَّ مما يُؤلمُ كلَّ مسلمٍ مُحبٍّ لسيدِنا رسولِ الله ﷺ أن يتخذ أمثال هؤلاء المغرضين من الخوض في هذه الرواية وسيلةً لاستفزازِ مشاعرِ المؤمنين بالنَّيلِ من مقامِ والديهِ الكريمين ﷺ، أو الإساءة إليهما؛ وسيدُنا النبيُّ ﷺ هو أبرُّ الناسِ بوالديهِ، وأشدُّهم حبًّا لهما.

كما حذَّر العلماء من إطلاق اللسان بغير أدب في هذا الباب؛ واستدلوا بقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [سورة الأحزاب: 57]، وبقوله ﷺ: «لا تسبُّوا الأمواتَ فتُؤذوا الأحياءَ». [أخرجه الترمذي]


مخطوط  روضة الصفا في بعض مناقب والد المصطفى  مخطوط روضة الصفا في بعض مناقب والد المصطفى

رسالة التعظيم والمنة في أن أبوي النبي في الجنة للسيوطي رسالة التعظيم والمنة في أن أبوي النبي في الجنة للسيوطي

الدكتور عمر محمد الشريفالدكتور عمر محمد الشريف
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة