في زمن يتسم بتحولات موازين القوى، وحالة من عدم اليقين الجيوسياسي، وتزايد الترابط العالمي، لم يكن دور التعليم العالي في إعداد قادة ذوي رؤية عالمية أكثر أهمية مما هو عليه اليوم.
موضوعات مقترحة
على هامش يوم التعاون الفرنسي – المصري للتعليم العالي والبحث العلمي، الذي عُقد الخميس الماضي في باريس، أجرت بوابة الأهرام هذا الحوار مع السيد لويس فاسي، رئيس معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences Po)، أحد أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم في مجال العلوم السياسية والاجتماعية، والمصنَّف ضمن أفضل خمس جامعات عالميًا في تخصص السياسة خلال السنوات السبع الماضية.
وبفضل تقليده العريق في تخريج القادة الفرنسيين والدوليين، بات معهد العلوم السياسية في قلب التبادل الأكاديمي العالمي والتعليم متعدد التخصصات.
وفي هذا الحوار، يناقش فاسي التحولات في العلاقات الدولية، وتطور أوضاع الشرق الأوسط ومنطقة المتوسط، وأهمية التعاون الأكاديمي المتزايد بين فرنسا ومصر، كما يتناول الدور الذي يجب أن تضطلع به الجامعات في إعداد قادة المستقبل للتعامل مع عالم متقلب ومعقد.
◄ بوابة الأهرام: من وجهة نظركم، كيف تتغير العلاقات الدولية، وماذا يعني ذلك لصنّاع السياسات في المستقبل؟
◄ فاسي: نشهد بوضوح تحولًا في العلاقات الدولية، مع تزايد التعددية القطبية، وتصاعد التنافس الإستراتيجي، وتداخل الأزمات - الجيوسياسية والاقتصادية والبيئية والتكنولوجية.. وهذا يجعل القيادة أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت عليه في السابق.
وينبغي تدريب صنّاع السياسات في المستقبل ليس فقط على فهم مصالحهم الوطنية، بل أيضًا على التعامل مع الترابط العالمي، وإدارة حالة عدم اليقين، وبناء التعاون عبر المناطق والثقافات.. وهنا تحديدًا تتحمل مؤسسات مثل معهد العلوم السياسية مسؤولية إعداد الطلاب للتفكير العالمي والنقدي والعملي.
◄ بوابة الأهرام: كيف تقيّمون الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط؟
◄ فاسي: يقع الشرق الأوسط ومنطقة المتوسط في قلب العديد من الديناميات العالمية اليوم .. من التحديات الأمنية والتحولات الاقتصادية إلى تغير المناخ والهجرة.. كما تتميز هذه المناطق بروابط تاريخية عميقة، وغنى ثقافي، وإمكانات بشرية هائلة.
ما نراه اليوم هو منطقة تمر بتحولات عميقة، تحمل تحديات جسيمة إلى جانب فرص كبيرة.. وفهم هذه التعقيدات يتطلب خبرة أكاديمية قوية، وحوارًا مستدامًا، وتعاونًا دوليًا — ولا سيما بين أوروبا والعالم العربي وإفريقيا.
◄ بوابة الأهرام: تحدثتم عن أهمية التعرض الدولي لقادة المستقبل.. لماذا يعد ذلك بالغ الأهمية اليوم؟
◄ فاسي: السؤال هو: كيف يمكن أن تكون في موقع قيادي في عالم اليوم إذا لم تكن ذا توجه دولي؟ نرى جميعًا ما يحدث على الساحة العالمية.. العالم يمر بمرحلة معقدة ومتقلبة.. يحتاج القادة اليوم إلى القدرة على فهم بقية العالم، والمرونة في العمل مع الآخرين، والقدرة على استيعاب مفاهيم عالمية مختلفة.
وأؤمن حقًا بأنه لا يمكن أن تكون قائدًا حكوميًا اليوم إذا لم تكن ذا توجه دولي.
◄بوابة الأهرام: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه التعليم العالي في مواجهة تحديات المنطقة؟
◄ فاسي: لمؤسسات التعليم العالي دور حاسم في إنتاج المعرفة، وتدريب القادة، وتعزيز الحوار.. يمكن للجامعات أن تكون جسورًا بين المجتمعات، وأن توفر مساحات للنقاش النقدي والبحث التعاوني.
وفي مناطق مثل الشرق الأوسط والبحر المتوسط، حيث تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية مستمرة، يمكن للجامعات أن تسهم في بناء قدرات الحوكمة، وتعزيز التنمية الشاملة، ودعم التعاون السلمي.
◄ بوابة الأهرام: ما مدى أهمية يوم التعاون الفرنسي– المصري للتعليم العالي والبحث العلمي الذي عُقد الأسبوع الماضي في باريس؟
◄ فاسي: أعتقد أننا نستطيع فعل المزيد لتعزيز التعاون مع مصر. فالمؤسسات التعليمية الفرنسية، بما في ذلك معهد العلوم السياسية، حريصة للغاية على استقبال مزيد من الطلاب المصريين المتميزين. وهذا مهم بشكل خاص نظرًا لجودة الطلاب المصريين العالية والأهمية الاستراتيجية لمصر باعتبارها دولة محورية في منطقة المتوسط وإفريقيا.
كما أن هناك طلبًا قويًا من طلاب معهد العلوم السياسية لقضاء عام التبادل الدراسي في مصر. ونحن حاليًا في طور زيادة عدد طلاب التبادل بين المعهد ومؤسساتنا الشريكة في مصر، بما في ذلك جامعة القاهرة.
◄ بوابة الأهرام: كيف ترون مستقبل التعاون الأكاديمي بين فرنسا ومصر؟
◄ فاسي: أنا متفائل للغاية.. فهناك بالفعل أساس قوي قائم، ويعكس يوم التعاون الفرنسي–المصري للتعليم العالي والبحث العلمي الإرادة المشتركة لتعميق هذه الشراكة.
تتمتع مصر بجامعات متميزة، وطلاب موهوبين، ونظام بحثي متنامٍ. وفي المقابل، تمتلك فرنسا مؤسسات أكاديمية قوية وتقاليد عريقة في التعاون بمنطقة المتوسط. ومن خلال توسيع برامج تبادل الطلاب، والدرجات العلمية المشتركة، ومشروعات البحث التعاوني، يمكننا بناء شراكة تفيد البلدين وتسهم في الاستقرار الإقليمي والعالمي.
◄ بوابة الأهرام: يتمتع معهد العلوم السياسية بسمعة راسخة في فرنسا وعلى الصعيد الدولي.. كيف تصفون رسالة المؤسسة اليوم؟
◄ لويس فاسي: تأسس معهد العلوم السياسية قبل نحو 150 عامًا، وكان منذ ذلك الحين مكانًا لتدريب قادة فرنسا المستقبليين.. وعلى مدى العقود القليلة الماضية، ومع قدوم نحو 50 في المائة من طلابنا من خارج فرنسا، أصبحنا نؤدي هذه الرسالة على نطاق عالمي. ونحن نفخر كثيرًا بأن من بين خريجينا بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة. نقوم بتدريب أشخاص من جميع أنحاء العالم ونستثمر بكثافة في الخبرات والتخصصات، وكذلك في القدرة على النظر إلى القضايا من منظور شامل بزاوية 360 درجة.
ويتميز تعليمنا بطابعه متعدد التخصصات — حيث يجمع بين التاريخ والقانون والمهارات الكمية والعلوم السياسية وغيرها — مما يساعد على تنمية الصفات التي يحتاجها قادة المستقبل لوضع استراتيجيات سليمة واتخاذ القرارات الصحيحة عند مواجهة تحديات محددة.
◄ بوابة الأهرام: ما مدى أهمية البعد الدولي في نموذجكم التعليمي؟
◄ فاسي: تُعد الشراكات عنصرًا أساسيًا فيما نقوم به في معهد العلوم السياسية، لأن المنظور الدولي بات ضرورة مطلقة اليوم. يقضي جميع طلابنا عامًا واحدًا في الدراسة بالخارج، ونستقبل العديد من طلاب التبادل من مختلف أنحاء العالم. كما نتيح خيار الدراسة بالكامل باللغة الإنجليزية في جميع البرامج، مما يسهم في خلق بيئة أكاديمية نابضة بالحيوية ومتنوعة للغاية.
لدينا حاليًا نحو 500 شراكة مع مؤسسات تعليمية حول العالم في مجالي التعليم والبحث، من بينها أربع شراكات في مصر — ونتوقع المزيد مستقبلًا.
◄ بوابة الأهرام: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية الأكاديمية في تهدئة التوترات وتعزيز الحوار بين المناطق؟
◄ فاسي: في عالم أكثر تشرذمًا، نحتاج إلى دعم الأماكن التي يمكن أن تسهم في الحفاظ على الجسور. ستظل الأفكار تتداول عبر الحدود، وللجامعات دور مهم في هذا السياق.