أعترف أنني كلما قرأت عبارة تقول إن «الجيل الجديد أقل ذكاءً» أشعر بشيء من القلق.. لا عليهم فقط، بل علينا نحن أيضًا.. لأن السؤال لا يخصهم وحدهم، بل يخص الإنسان نفسه: هل يمكن أن يتراجع العقل الذي بنى الحضارات فجأة؟ أم أن المشكلة في طريقة قياسنا له؟
فكرة أن البشر قد يصبحون أقل ذكاءً ليست جديدة.. الأدب قالها قبل الدراسات الحالية بزمن طويل.. في عام 1909 ظهرت رواية «الآلة تتوقف» للكاتب إي. إم. فورستر، وكانت تتحدث عن بشر يعيشون في عزلة صنعوها بأيديهم، يخدمهم نظام آلي كامل حتى يفقدوا القدرة على فعل أي شيء بأنفسهم.. هل كانت توقعًا لما نحن فيه الآن؟!
وفي عام 1932 نُشرت رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي، وكُتبت في فترة كانت تشهد تحولات صناعية وتقنية كبرى، وقد نجح الكاتب في استشراف مستقبل يسيطر فيه العلم على البشرية قبل عقود طويلة من ظهور الهندسة الوراثية ووسائل التواصل الاجتماعي.
واعتبر النقاد أن الرواية حجر زاوية في أدب «الديستوبيا» (أدب المدينة الفاسدة)، حيث لا تزال تُقرأ كتحذير من ضياع الهوية الإنسانية في مقابل الرفاهية المفرطة والتحكم التقني.
وفي السينما حذّر فيلم «WALL-E» من ظهور البشر في المستقبل ككائنات تعاني من سمنة مفرطة وتعتمد كليًا على الكراسي الطائرة والشاشات، ثم تفقد تدريجيًا الاتصال بالواقع المادي فيما بينها.
في عام 2026 ظهرت دراسة عن الجيل الحالي من الشباب الذي يجلس أمام شاشات الهاتف لفترات طويلة ويستمتع بمقاطع الفيديو القصيرة، لتخلص إلى أن جيل زد (Z) أقل ذكاءً من الأجيال التي سبقته، أو على الأقل يتمتع بقدرات عقلية أضعف.
الدراسة أجراها عالم الأعصاب جاريد كوني هورفيث على الأشخاص المولودين بين عامي 1997 و2010، المعروفين باسم جيل زد، وخلص إلى أنهم «أقل قدرة معرفية» من الأجيال الأخرى.
وفي كلمته أمام لجنة التجارة والعلوم والنقل في مجلس الشيوخ الأمريكي، قال هورفيث: «أطفالنا أقل قدرة ذهنية مما كنّا عليه في سنهم».
كلمات هورفيث انطلقت كقنبلة في أرجاء العالم، وتلقفها الجميع بضجة كبيرة، وأثارت جدلًا واسعًا حول مدى تأثير العامل الرقمي على القدرات المعرفية والمهارات لدى جيل زد مقارنة بالأجيال السابقة.
وعلل هورفيث رأيه بأن جيل زد أخفق في اختبارات أكاديمية قياسية مقارنة بالأجيال السابقة، وقال: «المثير للقلق ليس فقط تراجع الذكاء، وإنما الثقة المفرطة التي يتمتع بها هؤلاء الشباب؛ فبما أن الناس اعتقدوا أنهم أكثر ذكاءً، قلّ ذكاؤهم الفعلي في الواقع».
هنا يبرز السؤال المهم: هل سهولة الوصول إلى الحلول تعني تراجع قدرات التفكير الداخلي؟!
هورفيث قال نعم، وعلل بأن الدماغ البشري غير مُهيأ للتعلم عبر مقاطع الفيديو، بل إن البشر مبرمجون بيولوجيًا للتعلم من خلال التفاعل مع آخرين ومن خلال الدراسة العميقة، لا عبر التنقل بين الشاشات وقراءة ملخصات سريعة.
ظهرت ردود وتحليلات تقول إن الأمر ليس نقصًا في الذكاء، بل نشاط يمارسه الدماغ بتلقائية ويُعرف بـ«التفريغ المعرفي»؛ فبما أن المعلومات متاحة بضغطة زر، لم يعد الدماغ يحتاج إلى تخزينها، بل يركز على كيفية الوصول إليها. وهذا لا يعني غباءً، بل تحولًا في نوع الذكاء من «الذكاء الموسوعي» إلى «الذكاء التحليلي والربطي».
صحيح أن ذلك يقود إلى ضعف الصبر وقلة التركيز، لكنه لا ينفي وجود الذكاء.
وصف جيل كامل بضعف القدرات يُعد تبسيطًا مخلًا، وأحيانًا نوعًا من «التعالي الجيلي» الذي يتكرر عبر التاريخ (ويُعرف سيكولوجيًا بـ«الجيوفينويا»)، حيث يرى كل جيل أن الذي يليه أقل انضباطًا أو ذكاءً لأن المعايير تختلف. فجيل زد يتفوق في الذكاء التقني، والوعي بالصحة النفسية، والقدرة على إدارة هويات رقمية معقدة، وهي مهارات لم تكن موجودة سابقًا. لذا، بدلًا من اعتبار الأمر إهانة، يمكن اعتباره «فجوة أدوات»؛ فالأدوات التي يستخدمها هذا الجيل تجعل طرق تفكيره تبدو غريبة على من سبقه.
البشرية تتقدم بفضل الذكاء الجمعي والتراكم المعرفي. المصريون القدماء كانوا أذكياء وبنوا الأهرام بطرق بالغة الذكاء والتعقيد، لا تزال تحيّرنا حتى اليوم. ومن سبقونا وصلوا إلى القمر باستخدام حسابات يدوية وحواسيب بدائية جدًا، مما يعكس قدرة ذهنية هائلة على التجريد والصبر.
الحقيقة أن العقل البشري لم يتغير بيولوجيًا منذ آلاف السنين، وهذه منحة من الله عز وجل لنا. لكن الذي يتغير هو «الذكاء الجمعي»؛ فنحن اليوم نصعد إلى الفضاء ليس لأننا أذكى كأفراد، بل لأننا نقف على أكتاف العمالقة الذين بنوا القواعد المعرفية المتراكمة.
الأجيال الحالية تمتلك معرفة أوسع، لكن الأجيال القديمة كانت تمتلك عمقًا تحليليًا وإجرائيًا أكبر نتيجة غياب المساعدات التقنية.
نعم، قد يصبح الإنسان أكثر كسلًا عضليًا وذهنيًا في المهام الروتينية نتيجة الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي والروبوتات. هذا الكسل قد يؤدي إلى ضمور بعض مهارات حل المشكلات البسيطة، لكنه في المقابل قد يفتح الباب لـ«عصر الفراغ الإبداعي»، حيث يتفرغ البشر للفنون والفلسفة والابتكار.
الخطر الحقيقي ليس في الكسل الجسدي، بل في «الكسل المعرفي»؛ أي الاستسلام لإجابات الآلة و(الشات جي بي تي) دون نقد أو تفكير، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه الأجيال القادمة. وليس ضعف الذكاء أو قلته.
إكس: @AhmedTantawi