المدرسة الرمضانية.. اقترب موعدها

11-2-2026 | 13:08

رُبَّ سؤالٍ يطرحه عليَّ بعض المتابعين: هل الله تعالى ربُّ رمضان فقط؟! نبادره بالرد فورًا: حاشانا أن نقول ذلك، وإنما ربُّ رمضان هو ربُّ الشهور جميعها، وربُّ الأزمان جملةً وتفصيلاً، بل ربُّ كل شيء ومليكه، المهيمن عليها، الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع كل شيء ولا يعزب عن علمه شيء. فهو تعالى الأول فلا شيء قبله، والآخر فلا شيء بعده، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم.

لكنها سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً؛ سنة الله في كونه الفسيح، أن يفضل بعض الرسل على بعض، وبعض السنين على بعض، وبعض الشهور على بعض، وبعض الأيام على بعض. وسنته تعالى أن يمنح أمتنا هذه المنح العظيمة؛ لماذا؟! للعودة والأوبة والتوبة إليه سبحانه، فجميعنا -لا أستثني أحدًا- مخطئون، وبما إننا كذلك فواجب علينا الاستغفار والتوبة، ولا يمكن أن تتحقق التوبة إلا بشروطها المعلومة للجميع؛ بدءًا من الندم ثم الإقلاع عن الذنب فالتوبة والاستغفار.

لكنها مواقيت للطاعات منحها الله لنا يستجاب فيها الدعاء وخير الدعاء الاستغفار، ومن هذه المواقيت: الثلث الأخير من الليل، وعند لقاء العدو، وعند نزول المطر، وفي أوقات الصلاة، وفي ليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، ويوم عرفات، وشهر رمضان المبارك؛ الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن لله في كل يوم من رمضان عتقاء من النار"، وما أحوجنا إلى العتق من النار فقد قالها الله تعالى: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ).

نفرح فرحًا شديدًا عندما يقترب موعد دخول المدارس بفصليها الدراسيين، ونعدُّ العدة ونتجهز لاستقبال العام الدراسي الجديد؛ بشراء الزي المدرسي والشنط والأحذية والأدوات المدرسية وخلافه، ونستقبل الساعات الأولى من أول يوم دراسي بالفرح والسرور والسعادة، ونبرر فرحتنا هذه أن العام الدراسي بدأ بعد غياب استمر لشهور قضاها أبناؤنا في إجازة سنوية.

فإذا كان هذا حالنا في استقبال العام الدراسي الجديد، فما بالنا ونحن نستقبل شهر رمضان المعظم؟! الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له الله ما تقدم من ذنبه". وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها"، لعلنا تصيبنا نفحات الخير فلا نشقى بعدها أبدًا.

إن رمضان مدرسة ربانية تفتح أبوابها كل عام شهرًا واحدًا، هذا الشهر يكون بمثابة شحن معنوي وقيمي وخلقي لباقي الشهور. وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يعتبرون العام كله رمضان؛ فرمضان فيه التقى والعفاف: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)، ورمضان جماع الخيرات، ففيه المودة والمحبة وصلة الأرحام، رمضان فيه صلاة التراويح والتهجد وتلاوة القرآن، رمضان تزداد فيه الصدقات.

نعم، إنه شهر التكافل الاجتماعي، شهر أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- شهر ينادي في أول ليلة من لياليه منادٍ من السماء: "ألا يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر". رمضان قال عنه الله تعالى في حديثه القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

رمضان فرصة عظيمة، وعلى كل مسلم أن يسعى قدر استطاعته إلى اغتنامها، فلا أحد منا يدري هل سيأتي عليه رمضان آخر أم لا، فكم من الناس صلوا معنا التراويح العام الماضي وارتقوا إلى رحمة الله تعالى. نعم، رمضان فرصة عظيمة ضروري أن نغتنمها للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بطاعتنا له.

إن المدرسة الرمضانية اقتربت، فلابد أن نستعد لها، واستعدادنا لا يكون بتخزين مختلف أنواع الأطعمة والمشروبات، وإنما استعدادنا يكون بتهيئة القلب وتصفيته وتنقيته مما قد يكون علق به من كدورات طيلة العام، فمن منا معصوم من الخطأ والزلل؟! ومن ثم وجب علينا أن نستعد الاستعداد اللائق بهذا الشهر الفضيل؛ حتى نكون من الفائزين فيه برضوان الله تعالى.

أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة