لم تكن الفنون أو الترفيه يومًا وسيلة للسخرية من الشخوص أو الدول أو الحكومات، وكل الأعمال التي استهدف بها صانعوها التشويه والإساءة إلى زوال؛ فالفنون صُنعت لتسمو بالمشاعر وتوصيل صورًا ترفيهية أو تثقيفية أو حتى للتسلية، وهي في الواقع يُفترض أنها صور جميلة مثل اللوحات والبساتين.
لم أقف طويلًا عند زعم أن فيلم "الست" صُنِع لأهداف غير التي أتى بها على الشاشة من صور، فهو لم يكن عملًا متكاملًا، ولا توافرت له مصداقية الرؤية بداية من هيئة منى زكي إن قارناها بهيئة أم كلثوم؛ لأنه مهما حاولت منى زكي من التجسيد أو حتى التقليد ستخونها لغة الجسد، وهي مجموعة الإيماءات، والحركات، وتعبيرات الوجه، ونبرات الصوت التي يصدرها الإنسان -غالبًا لا إراديًا- لتوصيل رسائل ومشاعر حقيقية، وتشكّل جزءًا كبيرًا من التواصل غير اللفظي أو حتى اللفظي، ناهيك عن طول القامة أو قصرها، وضخامة جسد "الست" تختلف عن مقاييس منى زكي.
هو ليس موضوعنا، فالفيلم تراجعت إيراداته وخرج من سباق المنافسة، لكن المهم أنه لم يكن ليسيء إلى سيدة الغناء العربي، ولا يوجد عمل فني -حتى وإن نقل أكوام القمامة ببعض الشوارع- يمكن أن يسيء إلى دولة، فقد تكون الصور بها شكل جمالي إن قدمها مخرج مثل يوسف شاهين في فيلمه "القاهرة منورة بأهلها".
الحدث المثار حوله الجدل حاليًا بأن الموسيقار هاني مهنا أساء إلى فاتن حمامة وشادية بأحد برامج القنوات العربية، فُسِّر من قبل البعض أنه مقصود لتهميش دور النجمتين، والإساءة لهما، وكشف عورات علاقتهما معًا، بأن سرد "مهنا" حكايات ما كان يجب أن يسردها على الهواء مباشرة أو على الشاشة. ما قاله مهنا صدرت حوله بيانات إدانة من اتحاد النقابات الفنية برئاسة المخرج عمر عبدالعزيز، وبإجماع نقيب السينمائيين المخرج مسعد فودة، ونقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي، ونقيب الموسيقيين الفنان مصطفي كامل، وأجمعوا على إدانته مع توجيه من "الوطنية للإعلام" بأن ما صدر كان إهانة للفن، واتخذت قرارات بعدم ظهوره على القنوات المصرية.
كل ذلك لا ينقلنا إلى ضفة سوء النوايا بالجانب الآخر وبأنه قصد الإهانة بتلك الرموز بإيعاز من مقدمة البرنامج؛ هل وصل بنا الخيال إلى رسم سيناريوهات تربط بين فيلم "الست" وبين ما قاله مهنا، وأن هناك مخططًا لتشويه سمعة الفن المصري؟ هل أصبحنا نتربص ببعضنا وببرامجنا وفنوننا لنصنع "التريند"، أو أن نصبح أصحاب رأي مسموع ومقروء؟ لا يا سيدي، الفن المصري مرت عليه حملات فاقت كل ما تتخيله، ومرت حملات لتقليل دور الدراما في التسعينيات، وأن الفن السوري قادم و"هيكسر الدنيا" وسيُسحب البساط، تلك الأخيرة التي أصبحت مثل "العلكة" في فم البعض، وهم يعلمون أن فيلمًا واحدًا أو مسلسلًا أو حتى كتابًا أو لوحة تُصنع في بهو متحف مصري أو في استوديو تصوير، أو أغنية رومانسية أو وطنية، أو مهرجانًا سينمائيًا قويًا، قد يقلب الطاولة التي لسنا بحاجة إليها.
ففي رمضان المقبل ستعرض مصر 39 مسلسلًا منها 22 للشركة المتحدة، وستصبح الدراما المصرية حديث العالم العربي، ولا حاجة إلى نظريات المؤامرة التي تحولت إلى علكة نلوكها ونحن نجلس على المقاهي. مصر بأبنائها، بفنها، بثقافتها، واسألوا كم حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب من جماهيرية؛ حضره قرابة الستة ملايين ومائتي ألف. وبعدين تعال هنا يا سيدي، كم فنانًا مصريًا يشارك في صناعة الفن العربي؟ احسبها "هتريح دماغك" إلا إذا كانت النية "عاوزة كدة"... ختامًا أنصح من تقهر أفكارهم النوايا السيئة أن يسمعوا أغنية "مصر تتحدث عن نفسها" مصر التي تغنت بها أم كلثوم:
أَنَــــا إِن قَــــدَّرَ الإِلَـــــهُ مَمَـــــاتِي .. لا تَرَى الشَّرْقَ يَرْفَعُ الرَّأْسَ بَعْدِي
مَــا رَمَــانِي رَامٍ وَرَاحَ سَلِـــيمًـــا .. مِـن قَــدِيمِ عِنَايَـــةِ اللهِ جُنـدِي