10-2-2026 | 15:22

بينما تنشغل واشنطن بإحكام جدرانها التجارية تحت شعارات "الحمائية" القومية التي يتبناها دونالد ترامب، يمر العالم اليوم بلحظة فارقة تتجاوز مجرد "خلافات تجارية" عابرة؛ فنحن أمام عملية إعادة هيكلة شاملة للنظام التجاري الدولي. والمؤشرات القادمة من بروكسل، ولندن، وحتى أوتاوا، تؤكد أن حلفاء "العم سام" التقليديين بدأوا فعليًا في البحث عن مظلات اقتصادية بديلة، واضعين ثقلهم الإستراتيجي في كفة القوى الصاعدة في الشرق.

انكسار "جدار الثقة" العابر للأطلسي

لم تكن الرسوم الجمركية الباهظة وحدها هي التي دفعت الحلفاء للهروب شرقًا، بل كان "تذبذب اليقين" هو المحرك الأكبر. فبعد تلويح الإدارة الأمريكية باستخدام لغة القوة حتى في ملفات سيادية (كما حدث في ملف جرينلاند)، والتهديد المستمر بالعقوبات ضد الحلفاء، تولدت قناعة لدى العواصم الغربية بأن الاعتماد الكلي على الشريك الأمريكي بات "مخاطرة إستراتيجية". هذا المناخ دفع أوروبا وكندا للتحرك نحو نظام "تعددية الأقطاب" الاقتصادية، حيث لم يعد البيت الأبيض هو الموجه الوحيد لحركة التجارة العالمية.

"أمّ الاتفاقيات": طريق الحرير الجديد

في خطوة وُصفت بأنها "انقلاب ناعم" على التوجهات الأمريكية، جاء التوقيع التاريخي على الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي والهند ليعلن ولادة محور اقتصادي عملاق. هذه الاتفاقية، التي ألغت الجمارك عن 90% من السلع، ليست مجرد تبادل تجاري، بل هي إعلان أوروبي صريح بأن "المستقبل يكمن في ديموغرافيا الهند لا في انغلاق أمريكا". وبانفتاحها على سوق يضم 1.4 مليار نسمة، تكون أوروبا قد أمنت لنفسها بديلًا استراتيجيًا، معززةً ذلك بسلسلة اتفاقيات شملت "ميركوسور" في أمريكا الجنوبية، وذلك عقب اتفاقيات أبرمها العام الماضي مع إندونيسيا والمكسيك وسويسرا، وصولًا إلى تسوية الخلافات التقنية مع الصين حول السيارات الكهربائية.

البراجماتية الكندية والبريطانية

التحول الأكثر إثارة يظهر في "الحديقة الأمامية" لواشنطن؛ فكندا، التي كانت تاريخيًا الجار المطيع والأكثر وفاءً، بدأت بفك ارتباطها الأحادي الذي يربط 70% من صادراتها بالولايات المتحدة. والاتفاقيات الكندية الأخيرة مع الصين وقطر، والمفاوضات التجارية الجارية مع الهند ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، تشير إلى أن أوتاوا اختارت أن تكون "جسرًا شرقيًا" بدلًا من كونها "ظلًا أمريكيًا".

وعلى الخطى ذاتها، سارت بريطانيا "الحليف التاريخي الأوثق"؛ حيث أعاد "داونينج ستريت" ضبط عقاربه على توقيت بكين، مبرمًا اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتجاري في شراكة إستراتيجية شاملة هي الأولى من نوعها مع بكين، في إشارة واضحة إلى أن المصالح الوطنية البريطانية باتت تتطلب لغة حوار اقتصادية هادئة مع "التنين الصيني".

اليوان يزحف نحو الحصون الخضراء

خلف كواليس السياسة، تدور المعركة الأشرس في غرف المقاصة المالية. فبينما تحاول واشنطن ممارسة ضغوطها على أمريكا الجنوبية عبر البوارج، ترد الصين بـ "خطوط الائتمان". إذ تقدم بكين قروضًا بمليارات الدولارات لدول أمريكا الجنوبية بشرط السداد باليوان، بالتزامن مع بلوغ احتياطيات الدولار أدنى مستوياتها التاريخية (56%)، مما يضع النظام المالي العالمي أمام "ساعة الصفر". إن دخول نظام "بريكس باي" حيز التنفيذ وتحول 95% من التجارة الروسية مع القوى الآسيوية إلى العملات المحلية، ليس مجرد إجراء تقني، بل هو تقويض بطيء ومنهجي لهيمنة "العملة الخضراء".

نظام عالمي جديد يتبلور

ما شهدناه في المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير الذي أقيم في "دافوس" بسويسرا الشهر الماضي، لم يكن مجرد تصريحات لمسؤولين غربيين قلقين، بل كان إعلانًا عن "نهاية المركزية القطبية". العالم اليوم لا يعيد رسم الخريطة التجارية فحسب، بل يكتب مسودة نظام عالمي جديد، يبدو فيه أن "العم سام" قرر الجلوس خلف جدرانه، بينما انطلق حلفاؤه السابقون لتشييد مدنهم التجارية في الشرق، حيث الشمس تشرق على فرص جديدة وشراكات لا تعرف "الحمائية".

للتواصل: [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: