أزمة اقتصادية كبرى

8-2-2026 | 14:20

يبدو أن العالم على موعد جديد مع أزمة اقتصادية كبرى تعيد رسم خريطته، وتقلب توازناته فبالتوازي مع التوترات الجيوسياسية التي تعصف بالعديد من الدول تتسارع وتيرة الأخطار الاقتصادية، وتتعاظم التطورات المتلاحقة التي تضرب الأسواق المالية في مؤشر يؤكد أن هناك مخاطر باتت تتهدد العالم، ولعل تقرير منتدى دافوس الصادر قبل أيام، وهو من التقارير الدولية المهمة، حمل ما يمكن وصفة برسالة تحذير شديدة الخطورة، تؤكد جسامة التحديات التي تنتظر الاقتصاد العالمي في العام الحالي.

وحين يقول الخبراء، في تقريرهم الصادر عن أرفع منتدى دولي يضم قادة العالم، إن العالم على "حافة الهاوية" فهو يتجاوز رسالة التحذير إذ إن ما دفعوا به من أدلة وما عرضوا له من مؤشرات تؤكد في مجملها مخاطر كبرى وتهديدات عظمى للنظام الاقتصادي العالمي، سيترتب عليها تداعيات مجتمعية وتحديات كبرى تطال كل بقاع الأرض.

وفي تقديري، أن خطورة الوضع الاقتصادي العالمي تكمن في عدة اعتبارات تمثل في مجملها عوامل دفع نحو "الهاوية"، كما قال التقرير الدولي في مقدمتها أن العالم يعيش حالة يمكن توصيفها بتراجع القدرة على التعاون المشترك، في مقابل تصاعد حدة الصراعات ومنطق الهيمنة، بل والصدام الذي يستهدف السيطرة على الآخر، وهنا يرى خبراء منتدى دافوس أن العالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب والتوتر الذي يضر بالاستقرار الاقتصادي، وقد يعصف بالأسواق ومكوناتها التقليدية.

أخطر ما يرصده التقرير أن أزمات العالم الاقتصادية باتت مرتبطة ببعضها البعض، إذ إن متغير إحداها يضرب الأخرى، فلم تعد الرسوم الجمركية والتجارة المتبادلة والتكنولوجيا والاستثمار أدوات نمو، بل تحولت إلى أسلحة ضغط متبادل بين القوى الكبرى، وهذا التحول يشي بإعادة تشكيل التجارة العالمية، ويفتح الباب أمام تباطؤ اقتصادي واسع وزيادة كلفة التمويل وارتفاع مستويات عدم اليقين أمام الشركات والحكومات.

ومن اللافت ارتفاع وزن الأخطار المالية التي باتت تهدد الاقتصاد العالمي، تغذيها حالة الاستقطاب التي تقوم بها الدول الكبرى، وحرب تكسير العظام الدائرة بين أمريكا والصين وروسيا، وهذا الوضع المتوتر يثير مخاوف كبرى من دخول الاقتصاد العالمي إلى أزمة ركود تغذيها عدة ظواهر، في مقدمتها صعود معدلات التضخم، وتصاعد احتمالات حدوث فقاعات كبرى في الأصول؛ بسبب ارتفاع الديون العالمية وما يصاحب ذلك من تقلبات حادة في الأسواق، ولا شك أن هذه الظواهر المتوقعة لا تنفصل عن سياقها الاجتماعي ودوائرها الاقتصادية، وهو ما قد يترتب عليه حتمًا شل حركة الحكومات في التصدي للتداعيات المتوقعة.

يقينًًا أن المشهد العالمي، وفي القلب منه ما تقوم به الولايات المتحدة سياسيًًا واقتصاديًًا، يؤكد أننا أمام حقبة من الأزمات الاقتصادية المركبة، تتطلب سياسات وقرارات تتعاطى مع تداعياتها، وتحد من سلبياتها وتفادي الانزلاق إلى أتون أزمات اقتصادية كبرى تستعصي على الحل.

والمؤكد أن مصر، شأنها شأن دول العالم، تتأثر بما يحدث في العالم من أزمات، وإذا كان بناء اقتصاد قوي يمتلك القدرة الشاملة على امتصاص الصدمات كان خيارًا إستراتيجيًا لمصر منذ العقد الماضي، وقد تم اختباره في أزمتين عالميتين في السنوات الماضية، عند انتشار وباء كورونا، واندلاع الحرب الروسية والأوكرانية، وحتى في ظل التطورات الجيوساسية بالمنطقة استطاع الاقتصاد المصري أن يمتص الصدمة بنجاح..

لكن هذا الصمود لا يعني الاطمئنان الكامل لما هو آت، ويقدم دليلًا على قدرة الاقتصاد على تفادي الأضرار المتوقعة، خصوصًا إذا كان حدود وتداعيات الأزمة العالمية المرتقبة وشدتها غير معروف، وهو ما يتطلب وضع إستراتيجية تحوطية واضحة للتعامل مع التحديات المحتملة، وهنا تبرز أهمية الإسراع في إيجاد حلول ناجزة لأزمة الديون التي أصبحت تفرض نفسها بقوة باعتبارها حجر عثرة أمام الاقتصاد المصري، وتعوق حركة الدولة في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين أحوالهم المعيشية وتحد من وتيرة التنمية الشاملة المطلوبة.

كما أن التحرك نحو إقامة تحالفات اقتصادية على قاعدة "رابح رابح" بات من الخطوات التحوطية التي تتسارع وتيرتها بين الدول في العالم الجديد الذي يتشكل، ورأينا كيف سارعت دول مثل بريطانيا وكندا ودول أوروبية عدة بفك ارتباطها التقليدي مع أمريكا، بعد أن فوجئت بمخاطر الاعتماد على الولايات المتحدة، التي كشفت عن نزعاتها في الهيمنة والنفوذ، واتجهت إلى الدخول في تحالفات جديدة مع الصين ودول أخرى؛ للحفاظ على قدراتها الاقتصادية وحماية أمنها القومي.

ومصر لديها فرص كبيرة وتحظى بعلاقات قوية مع دول العالم يمكن من خلالها تعظيم علاقات التعاون والدخول في تحالفات اقتصادية وشراكات تجارية تضمن لها موقعًا لائقًا بقدراتها وإمكانياتها وثقلها على خريطة النظام الاقتصادي الجديد.

.. إنه عالم مضطرب يتطلب التحوط أو الانزلاق إلى الهاوية.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: