أكد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن اختيار عنوان مؤتمر مارلوج هذا العام جاء انعكاسًا دقيقًا لواقع القناة الراهن، بعدما تحولت من مجرد ممر ملاحي إلى منظومة لوجستية عالمية متكاملة، تعتمد على التحول الرقمي الشامل في جميع عملياتها، وتعمل وفق رؤية حديثة تثبت أن قناة السويس ليست رهينة للتقلبات الاقتصادية أو الجيوسياسية، بل أيقونة للإرادة الوطنية الصلبة القادرة على تجاوز أصعب الأزمات.
موضوعات مقترحة
جاء ذلك خلال انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي للنقل البحري واللوجستيات مارلوج 15 الذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري على مدار ثلاثة أيام، تحت عنوان "الممرات اللوجستية الذكية والمرنة: بوابة المستقبل للتجارة العالمية الخضراء" برعاية الدكتور أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، والفريق كامل الوزير نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل بجمهورية مصر العربية.
وأوضح رئيس الهيئة أن القناة أثبتت، خلال فترات الاضطراب العالمي، قدرتها على الصمود، لتصبح ملاذًا آمنًا وضمانة لاستقرار حركة التجارة الدولية، لاسيما في ذروة أزمة البحر الأحمر التي أربكت سلاسل الإمداد العالمية وجعلت أنظار المجتمع الدولي تتجه نحو قناة السويس كخيار استراتيجي لا غنى عنه.
عام الاختبار وبداية التعافي
وأشار ربيع إلى أن عام 2024 شكّل اختبارًا حقيقيًا لصلابة هيئة قناة السويس في مواجهة العواصف الجيوسياسية المستمرة منذ عام 2023، مؤكدًا أن الربع الأخير من عام 2025 كان بداية التعافي النسبي لمعدلات حركة الملاحة، في دلالة واضحة على تزايد ثقة المجتمع الدولي في هذا المرفق الحيوي.
وأضاف أن انعقاد قمة شرم الشيخ في أكتوبر 2025، وما تبعها من جهود دولية لوقف إطلاق النار برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، مثّل نقطة تحول حقيقية أعادت قدرًا من الطمأنينة لحركة الملاحة، أعقبها إعلان عدم استهداف السفن العابرة في البحر الأحمر، ما ساهم في استقرار الأوضاع وعودة تدريجية للخطوط الملاحية الكبرى.
كلمة أسامة ربيع خلال مؤتمر مارلوج
عودة الخطوط الملاحية العالمية
ولفت رئيس الهيئة إلى أن عدداً من أكبر الخطوط الملاحية العالمية بدأ بالفعل في العودة التدريجية للعبور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، سواء من خلال رحلات تجريبية أو استئناف خدمات منتظمة، مشيرًا إلى استمرار عبور بعض الخطوط الكبرى طوال فترة الأزمة دون توقف.
وأكد أن هذه العودة جاءت مدعومة بمؤشرات إيجابية، أبرزها زيادة أعداد السفن والحمولات العابرة، ما يعكس تحسنًا نسبيًا مقارنة بعام 2024، الذي شهد تراجعًا حادًا في الإيرادات نتيجة الظروف الاستثنائية.
كلمة أسامة ربيع خلال مؤتمر مارلوج
مؤشرات تحسن الملاحة والإيرادات
وأوضح الفريق أسامة ربيع أن المقارنات الإحصائية أظهرت تحسنًا ملحوظًا في النصف الثاني من العام المالي، حيث ارتفعت أعداد السفن العابرة، وزادت الحمولات، وتحسن العائد الدولاري بنسب لافتة، مؤكدًا أن هذه المؤشرات لا تعني عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، لكنها تعكس مسارًا إيجابيًا مقارنة بعام صعب شهد أدنى معدلات العبور والإيرادات.
وأضاف أن الهيئة واصلت العمل والتواصل مع العملاء والخطوط الملاحية وغرف الملاحة طوال فترة الأزمة، بهدف فهم متطلبات السوق وتقديم خدمات جديدة ومحفزة، مع التأكيد الدائم على جاهزية القناة واستمرار العمل على مدار الساعة دون توقف.
كلمة أسامة ربيع خلال مؤتمر مارلوج
حوافز وتسهيلات لجذب السفن العملاقة
وتابع رئيس الهيئة بمنح حوافز تشجيعية للسفن ذات الحمولات الكبيرة، تضمنت تخفيضات بنسبة 15%، أسفرت عن جذب عشرات الرحلات وتحقيق عائد تجاوز 61 مليون دولار، مؤكدًا أن هذه السياسات التسويقية جاءت في توقيت مدروس لتسريع وتيرة التعافي.
وأشار إلى استقبال القناة أكبر سفن حاويات بحمولات تجاوزت 250 ألف طن، ما بعث برسائل طمأنة قوية إلى السوق العالمي بشأن جاهزية القناة وقدرتها على التعامل مع أحدث الأجيال من السفن.
كلمة أسامة ربيع خلال مؤتمر مارلوج
تمكين الشباب وبناء القيادات
وأكد ربيع أن الهيئة وضعت تمكين الشباب في صدارة أولوياتها، من خلال إنشاء أكاديمية الإبداع والتميز لتأهيل الكوادر الشابة للمناصب القيادية، وإسناد إدارة المشروعات الكبرى لشباب مؤهلين، إلى جانب إنشاء مراكز فكر تساهم في طرح أفكار مبتكرة وحلول غير تقليدية للتحديات المستقبلية.
كلمة أسامة ربيع خلال مؤتمر مارلوج
تطوير المجرى الملاحي رغم التراجع
وشدد رئيس الهيئة على أن انخفاض أعداد السفن خلال الأزمة لم يدفع الهيئة إلى تقليص الخدمات، بل كان حافزًا للإسراع في تنفيذ مشروعات تطوير المجرى الملاحي، وفي مقدمتها مشروع تطوير القطاع الجنوبي، وزيادة أعماق التفريعات، وتحسين الاتساع الملاحي، بما يضمن رفع كفاءة العبور واستيعاب السفن العملاقة بأمان.
وأوضح أن هذه الأعمال نُفذت في توقيت مثالي خلال وقت الازمة في البحر الأحمر، قلّ فيه التأثير على حركة الملاحة، مستفيدة من انخفاض عدد السفن اليومية مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
كلمة أسامة ربيع خلال مؤتمر مارلوج
خدمات بحرية جديدة ومتطورة
وأشار ربيع إلى إطلاق حزمة غير مسبوقة من الخدمات البحرية خلال الأزمة، شملت صيانة وإصلاح السفن، والإنقاذ البحري، والإسعاف البحري، وتبديل الأطقم، ومكافحة التلوث، والتزود بالوقود، إلى جانب تطوير مارينا اليخوت ومراكز التدريب، مؤكدًا أن هذه الخدمات لاقت استحسانًا واسعًا من الخطوط الملاحية وشركات التأمين.
كلمة أسامة ربيع خلال مؤتمر مارلوج
التحول الرقمي وتوطين الصناعة
وأوضح رئيس الهيئة أن التحول الرقمي الكامل أصبح واقعًا ملموسًا، حيث تُقدم جميع خدمات الهيئة عبر منصات إلكترونية دون تعاملات ورقية، بما يشمل الحجز والتحصيل والصيانة، مؤكدًا أن الهيئة قطعت عهدًا على نفسها بتصنيع جميع الوحدات البحرية المساعدة محليًا داخل ترساناتها.
وأشار إلى تطوير الترسانات ورفع قدراتها الإنتاجية، بما أتاح تصنيع قاطرات ووحدات بحرية بأسعار تقل بنحو 30% عن مثيلاتها في أوروبا، فضلًا عن تصدير قاطرات مصنعة محليًا بقدرات عالية إلى الأسواق الخارجية، مما يؤكد نجاح استراتيجية توطين الصناعة وتعزيز القدرة التنافسية لقناة السويس عالميًا.
قناة السويس… رؤية مستمرة للمستقبل
وأكد ربيع على أن هيئة قناة السويس واجهت خلال السنوات الأخيرة أزمات متلاحقة، من جائحة كورونا إلى الأزمات الجيوسياسية العالمية، لكنها حولت التحديات إلى فرص للتطوير والتحديث، مستندة إلى رؤية استراتيجية واضحة حتى عام 2030، تضمن استمرار القناة كأحد أهم شرايين التجارة العالمية وأكثرها أمانًا وكفاءة.
شهدت فعاليات افتتاح المؤتمر حضور الفريق مهندس كامل الوزير نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير النقل والصناعة بجمهورية مصر العربية، والدكتور نضال مرضي القطامين وزير النقل بالمملكة الأردنية الهاشمية، ووليد جمال الدين رئيس الهيئة الاقتصادية لقناة السويس، والفريق أحمد خالد محافظ الإسكندرية، والدكتور إسماعيل عبد الغفار، رئيس الأكاديمية العربية، و رئيس المؤتمر.
كما شهد المؤتمر حضور مختار أحمد بوسيف وزير الصيد والبنية التحيتى البحرية والمينائية بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، وسيف النصر التجاني هارون وزير النقل والبنية التحتية بجمهورية السودان، ومحمد بن عبد الله ال إبراهيم المعاضيد وكيل وزارة المواصلات بدولة قطر، والمهندسة حصة آل مالك مستشار الوزير لشئون النقل البحري بوزارة الطاقة والبنية التحتية الامارات العربية المتحدة، والمهندس سليمان بن خالد المزروع رئيس الهيئة العامة للموانئ بالمملكة العربية السعودية، والمهندس عمر الدباس مدير عام الهيئة البحرية بالمملكة الأردنية الهاشمية. والدكتور أكرم سليمان السلمي رئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر وعميد كلية الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور علاء مرسي عميد معهد تدريب الموانئ ومركز البحوث، ولفيف من السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى جمهورية مصر العربية.