علامات استفهام بحجم العالم

7-2-2026 | 10:44

كتبت سابقًا عن أشياء توقعتها وحدثت.. وكنت أول من اندهش من حدوثها! في زمن كورونا تكلمت عن توقعات انهيار المنظومة العالمية؛ وها نحن نشهد انهيارها وأفولها الذي أوشك على التحقق. ومنذ سنوات مضت؛ منذ الهزات المتتالية للدولار، تكلمت عن مخاوف انهيار الدولار، وها نحن نشهد تأرجحًا في أسعار الذهب بسبب الانخفاض المتتالي للدولار أمام اليورو، وبسبب الديون الهائلة على الخزانة الأمريكية والتي تخطت حاجز 37 تريليون دولار! وإذا واصل الدولار مسيرة الانخفاض، فقد يأتي اليوم الذي نراه يصطف بجانب سلة عملات الدول الفقيرة!

الآن نشهد تغيرات هائلة تشي بأمور أصعب وأقسى.. فمن ناحية التغيرات المناخية؛ نحن نرى بأعيننا ما يحدث في أمريكا وروسيا من عواصف ثلجية غير مسبوقة تطمر مدنًا بأكملها تحت الثلوج! ومن ناحية الصراعات العالمية؛ رأينا كيف تم اختطاف زعيم دولة للمقايضة على ثرواتها، وكيف يتم فرض السيطرة على جرينلاند دون التفات للقوانين الدولية أو غيرها، وكيف انسحبت أمريكا من قيادة العالم لتفرض قيادتها على النصف الغربي منه، لتترك النصف الشرقي لمن يشاء قيادته! والآن يتساءل السياسيون سؤالاً منطقيًا: هل سيأتي من يأخذ مكان أمريكا في قيادة العالم؟ وما هي القوانين التي ستحكم هذا الكون في المستقبل؟ أم تعود شريعة الغاب لتسود عالمًا مفككًا فوضويًا؟!

ماذا بعد أن تغيرت العقيدة القتالية للجيش الأمريكي من الدفاع إلى الحرب؟ ماذا بعد أن امتلأت شوارع بلد الحريات بمظاهرات ضد قمع حرية المهاجرين إليها؟ وماذا ينتظر ترامب بعد أن انفجرت في وجهه قنبلة "إبستين"؟ وهل تصبح الحرب ضد إيران هي الملاذ له من المساءلة ولحزبه من الفشل المتوقع؟

صراعات المنطقة

تشهد العلاقات بين إيران وأمريكا وإسرائيل تصعيدًا خطيرًا مؤخرًا، وقد عبر المرشد الإيراني عن تهديداته بشكل صريح قائلاً: إن أي هجوم أمريكي على إيران قد يؤدي إلى نزاع إقليمي شامل، ملمحًا بأن واشنطن تسعى في الأساس للسيطرة على موارد إيران النفطية والغازية.. ما يشي بأن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر خطورة إذا تدهورت الأمور؛ وبخاصة لو تم إغلاق مضيق هرمز واشتعلت أسعار النفط وارتبكت أسواق المال حول العالم. إنها حرب، لو حدثت، سوف تؤدي لتغيرات كبرى في خارطة التحالفات العسكرية الآن وفي المستقبل!

في السودان وفي الصومال وفي اليمن تحدث تغيرات دراماتيكية تتأرجح بين المشاريع الانفصالية ومحاولة الحفاظ على وحدة البلاد. والمسألة تخفي أطماعًا بالسيطرة على مناطق الثروات في هذه البلدان الثلاثة؛ فمَن ستكون له الغلبة في نهاية المطاف؟ سؤال قد يكون من وراء إجابته تغيرات سياسية كبرى في المنطقة، وسوف يتحدد مصير هذه الدول إما بالتقسيم المحتمل أو التماسك والتوحد في مواجهة الأطماع الخارجية..

في غزة؛ بعد أكثر من عامين من الصراع، تم إعادة فتح معبر رفح بين مصر وقطاع غزة بشكل محدود كجزء من محاولة دولية لإنعاش مسار التهدئة، لكنه لا يزال محدودًا جدًا في نقل الركاب والمرضى فقط، في حين تظل الأوضاع الإنسانية كارثية في القطاع مع انهيار النظام الصحي وتزايد الضغوط الدولية على إسرائيل لوقف العمليات العسكرية.. التطورات في غزة هي قاعدة للاحتقان الإقليمي، وتؤثر على علاقة إسرائيل بالجوار العربي، خصوصًا في ظل استمرار تأثير صراعات أخرى كالحرب السورية ضد قسد..

هكذا تلتهب الأوضاع الإقليمية كثيرًا وتهدأ قليلاً. وهذا حال الإقليم منذ أكثر من عقد مضى، ولن تتوقف الصراعات حتى تصل إلى مرفأ!

إشعاعات قنبلة إبستين

في أواخر يناير وأوائل فبراير، فجرت وزارة العدل الأمريكية قضية "جيفري إبستين" من جديد بالإفراج عن واحدة من أكبر دفعات الوثائق المتعلقة بالقضية، إذ قامت بضخ أكثر من 3 ملايين صفحة من المستندات: آلاف الصور ومئات الفيديوهات أمام العامة والباحثين والصحفيين، في خطوة مفاجئة؛ وصفتها السلطات بأنها تنفيذ لقانون جديد أُقر في الكونجرس بهدف "الشفافية"!

الوثائق تحتوي على مراسلات ورسائل وبريد إلكتروني تظهر تواصل إبستين مع شخصيات بارزة في السياسة والاقتصاد والثقافة، شملت رؤساء حكومات وسياسيين ورجال أعمال مشهورين وأسماء عالمية؛ من بينهم مليارديرات وتجار وسفراء. وتضمنت الملفات جرائم اعتداءات جسدية وجنسية على قاصرات وأطفال!

ورغم أن الهدف المعلن من التسريبات هو الشفافية، إلا أن الآراء انقسمت؛ فالمنتقدون يرون أن وزارة العدل تأخرت في الإفصاح وأن المواد المنشورة حذفت منها عناصر جوهرية قد تكشف عن أدوار حقيقية لشخصيات نافذة، وبالتالي قد تكون ثمة محاولة للتغطية أو تسويف الحقائق.. أما الداعمون للشفافية فيؤكدون أن نشر هذه الكمية من الوثائق يمثل نقطة تحول تاريخية في قدرة الصحافة والمجتمع على فهم المدى الحقيقي لشبكات النفوذ حول إبستين.

وقد أدى نشر الوثائق لتداعيات عالمية هائلة؛ ففي بريطانيا فضحت الوثائق اتصالات ومراسلات مع شخصيات حكومية بارزة سابقًا أثارت ضغوطات على سياسيين بل وإلى استقالات، مع تحقيقات يجريها جهاز الشرطة بإشراف الحكومة الجديدة!

وفي أماكن أخرى من أوروبا، دفع ظهور أسماء ألمع الشخصيات إلى استجوابات ونقاشات حزبية واعتراضات في البرلمان، مع مطالبات بالشفافية ومساءلة أوسع. 

وفي الهند، واجه مسئولون حكوميون انتقادات بعدما ظهرت رسائل تنسب إلى إبستين تتضمن إشارات غير لائقة عن شخصيات سياسية، ما دفع الحكومة إلى نفي مضمون الاتهامات رسميًا!

عرض مستمر!

هكذا يشهد العالم عرضًا مستمرًا من فضائح تنال من سمعة البيت الأبيض نفسه..

منذ فضيحة ووترجيت على عهد الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون"؛ عندما تم الكشف عن عمليات فساد وإساءة استخدام السلطة وأجهزة الدولة بالتنصت على مقر الحزب الديمقراطي، ما أدى في النهاية لاستقالة نيكسون وإعادة تعريف حدود السلطة التنفيذية، وتوسيع دور الصحافة الاستقصائية الكاشفة لأبعاد الفساد.. 

وفي عهد رونالد ريجان عندما كشف أمر بيع أسلحة سرًا لإيران رغم الحظر واستخدام عائدات عمليات البيع لتمويل ميليشيات الكونترا في نيكاراجوا في تحد للكونجرس وقراراته؛ غير أن الفضيحة لم تؤد لاستقالة الرئيس؛ بل تحمل المسئولية حينها بعض صغار الموظفين!

ثم حدثت الفضيحة الأخلاقية الشهيرة بين الرئيس الأسبق بيل كلينتون و"مونيكا لوينسكي" والتي حدثت على إثرها أزمة دستورية لطخت واجهة البيت الأبيض بالعار. 

ثم فضيحة بوش الابن المسماة فضيحة أسلحة الدمار الشامل؛ عندما تبين أن مبررات غزو العراق كلها ملفقة؛ وأن تضليلاً استخباراتيًا وإعلاميًا شاملاً متعمدًا تم لتبرير الحرب!

وها هو سلسال الفضائح يتصل بقنبلة "إبستين" التي توشك أن تلطخ ثوب البيت الأبيض من جديد. وهي ليست القضية الأولى التي يتهم فيها الرئيس ترامب؛ بل قد اتهم من قبل عام 2016 بأن الروس تدخلوا ليفوز بالانتخابات آنذاك، ثم "قضية مولر" التي اتُّهم فيها بعرقلة العدالة، ثم قضية اقتحام الكونجرس، بخلاف قضايا مالية خاصة بالتهرب الضريبي، والآن هناك دعاوى مرفوعة ضد ترامب خاصة بقضية "إبستين" قد تؤدي في النهاية لعزل ترامب من منصبه؛ خاصة لو نجح الحزب الديمقراطي في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي المقبلة؛ وهو أمر محتمل ومتوقع.

الاقتصاد العالمي على المحك

كل تلك الصراعات والتقلبات السياسية ليست بلا ثمن، فجميعها سوف تنصب في النهاية على مسارات الاقتصاد العالمي؛ وبخاصة أسعار النفط والذهب..

لقد شهدت أسعار الذهب تغيرات حادة خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ وحدثت قفزات متتالية في سعره العالمي، وفي بعض الجلسات وصل الارتفاع إلى 3%، ثم تلا ذلك انخفاضٌ مفاجئٌ، وبدا أن هناك تلاعبًا فُقدت بسببه تريليونات الدولارات لصالح جهات مجهولة! وهو أمر قابل للتكرار والاستمرار، وقد تشهد أسواق الذهب والمعادن النفيسة تغيرات أخرى في المستقبل!

على الناحية الأخرى؛ وبرغم ارتفاع إنتاج الأوبك من النفط، إلا أن أسعار البترول شهدت قفزات مخيفة بنسب تجاوزت 5% في بعض العقود كنتيجة لأحداث عرضية قابلة للتكرار وسط عالم تسوده الفوضى والصراعات.. 

ولهذا يحذر الخبراء من المبالغة في التفاؤل بشأن استمرار الارتفاعات القادمة، خاصة ما لم يتغير ميزان العرض والطلب العالمي.

لا يمكن القول إن ما يشهده العالم من تقلبات وأزمات وصراعات وأحداث هو مجرد تراكم للأزمات، وأن العالم يتجه نحو الاستقرار؛ فمن السذاجة أن نظن أن كل هذا بلا معنى: الصراعات المتصاعدة، والأسواق غير المستقرة، والتغيرات المناخية الخطيرة، والحروب مجهولة الأفق، والاقتصاد المتأرجح، والفضائح التي تنال من سمعة سياسيين حول العالم، والعدالة المختنقة في دول العالَم الحر، لا بد أن كل هذا يصب في اتجاه حتمي يراه ويخشاه كل المحللين: أننا مقبلون على حقبة جديدة، وأن التاريخ يتجه نحو منعطف حاد ستتغير فيه كل الثوابت والمسلمات!

أتمنى أن يكون عالمنا العربي مستعدًا للقادم، وألا يكون مجرد رد فعل تجاه رياح التاريخ العاتية..

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: