ما وراء الصف الأول

5-2-2026 | 20:05

ما حملته كلماتُ السيد عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، عن أمانة التطوير، والتحديث للأداء بالوزارات، والمؤسسات، ومسئولية القائمين عليها؛ ربما تحملُ مؤشرًا على عدم الرضا عن مستوى أداء البعض، وربما تكون دافعا مطلوبا لينتبه القائمون على رأس الوزارات، والهيئات، وغيرها لأهمية العمل على إصلاح مسار ما يتولون أمانته.

عدم الرضا عن الأداء يحمل غالبا رسالة بالتغيير، وهنا يصبح النظر إلى ما يلي الصفوف الأولى بالإدارات المختلفة مسارا قد يحدث التطوير المأمول.

في كل كيان هناك أسماء تتصدر المشهد، وتوقع على القرارات الكبرى، وخلف هذه الواجهة يقف رجال آخرون لا تظهر صورهم في المؤتمرات، ولا تتردد أسماؤهم في البيانات الرسمية، لكنهم يحملون العبء الحقيقي في العمل.

الصفوف التالية للصف الأول في كل إدارة هم العقول التنفيذية، من يحولون الخطط إلى برامج تنفيذية، يعملون في صمت، ويملكون خبرات تراكمت عبر سنوات من العمل التنفيذي.

في كل حركة تغيير تأتي الاختيارات غالبا من بين من يتصدرون الصفوف الأولى، بينما يغيب عن المشهد كنز حقيقي يتمثل في الأكفاء بالصفوف التالية للصف الأول.. هم ليسوا نجوما، ولا أصحاب علاقات واسعة، لكنهم يعرفون أين تتعطل المنظومة، ولماذا تفشل بعض السياسات، وكيف يمكن الإصلاح بأقل تكلفة.

المفارقة أن كثيرا من هؤلاء لا يصلون إلى دائرة الاختيار، لأن آليات الترشيح غالبا ما تعتمد على السيرة الظاهرة لا على الإنجاز الحقيقي.

التجربة العملية تؤكد أن أنجح المحافظين، والوزراء، ورؤساء الهيئات، والشركات لم يكونوا بالضرورة الأكثر شهرةً، بل الأكثر احتكاكا بالميدان.. الاختيار من الصف الثاني لا يعني المغامرة، بل يعني تقليل المخاطر؛ فهؤلاء خضعوا لاختبارات قاسية، ونجحوا في ظروف معقدة، وتعلموا القيادة من موقع التنفيذ.. يدركون حدود الممكن، ويفرقون بين القرار الجيد على الورق، والقرار القابل للتحقق على الأرض.

في كل وزارة، ومحافظة، وهيئة، وكل إدارة رجالٌ لم يتصدروا المشهد يوما، لكنهم يحملون الأمانة علي أكتافهم بصمت.

هؤلاء هم الاستثمار الحقيقي أمام من يبحثون عن إدارة منجزة ومستقبل أكثر كفاءة.

تجاهل الصف الثاني فترات طويلة ليس مجرد ظلم مهني، بل إهدار للخبرات المتراكمة.. فالدول والمؤسسات القوية هي التي تبني صفا ثانيا مؤهلا، وتمنحه الثقة، والأمل، وتعتبره مخزون القيادة المستقبلي لا مجرد ظل للمسئول الأول.

التاريخ يؤكد أن القادة العظام لا يقاسون بقدرتهم على الظهور، بل بقدرتهم على صناعة رجال أقوياء معهم.

الخطر الحقيقي لا يكمن في عدم دخول من هم وراء الصف الأول دائرة الاختيار، أو غياب التقدير لعملهم، بل في هجرتهم في صمت أو تحولهم إلى موظفين يؤدون الحد الأدنى من العمل بعد أن فقدوا الأمل في الترقي، وتولي مسئوليات في قمة الهرم الإداري لنكتشف أن الكراسي ما زالت ممتلئة، لكن العقول المتميزة قد غادرت.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة