العالم بعيد عن تلبية احتياجاته المائية.. فهل تنجح الأمم المتحدة في قيادة الحل؟

5-2-2026 | 15:02
العالم بعيد عن تلبية احتياجاته المائية فهل تنجح الأمم المتحدة في قيادة الحل؟يتزايد العجز العالمي عن تلبية الطلب المتنامي على المياه

يتزايد العجز العالمي عن تلبية الطلب المتنامي على المياه، في وقت تتفاقم فيه آثار تغير المناخ وسوء إدارة الموارد المائية. وبينما تتسع الفجوة بين العرض والطلب، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة الأمم المتحدة على قيادة استجابة دولية فعالة لأزمة تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والصحة العامة لمليارات البشر.

موضوعات مقترحة

هذا ما أكده الباحثان، ليزي موريس-إيفسون، وهي باحثة أولى في مركز البيئة والمجتمع متخصصة في سياسات المياه والحوكمة البيئية، وريتشارد كينج، باحث أول في مركز البيئة والمجتمع، مختص بإدارة الموارد الطبيعية وقضايا المياه، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني(تشاتام هاوس).

ويقول الباحثان إن دورة المياه العالمية تشهد تغيرات جذرية، فيما تواصل مشكلات إدارة المياه المزمنة إحداث فوضى في أنحاء العالم هذا العام. ففي يناير ، أعلن تقرير للأمم المتحدة دخول العالم "عصر الإفلاس المائي العالمي". وأسهم جفاف طويل الأمد في حدوث نقص غير مسبوق في المياه في إيران. وفي موزمبيق، تسببت أسوأ فيضانات في الذاكرة الحديثة بأزمة إنسانية، إذ دمرت المحاصيل وسبل العيش والبنية التحتية وشردت 650 ألف شخص.

ومع ذلك، كما تظهر الأحداث الأخيرة، فإن هذا الاعتماد بات أكثر هشاشة على نحو متزايد. فمع تراجع المزيد من المسطحات المائية وانخفاض منسوب طبقات المياه الجوفية، ستتأثر صحة ورفاه سكان العالم، في حين تواجه قطاعات اقتصادية متعددة وسلاسل إمداد خطر التعطل المستمر. وفي الوقت نفسه، تتعرض مؤسسات مثل الأمم المتحدة، التي أتاحت بعض التقدم المتعثر في الأزمات البيئية العالمية، لضغوط متزايدة.

ويتساءل الباحثان أنه في بيئة جيوسياسية متوترة، ما القيمة التي يمكن أن تقدمها عملية تقودها الأمم المتحدة؟ وهل يمكن لاستجابة عالمية أن تعالج على نحو كاف مشكلة يتسم تأثيرها بطابع محلي واضح جدا؟

الجهود المتعثرة للأمم المتحدة

بدأت خطورة أزمة المياه العالمية تحظى ببعض الاهتمام. ففي ديسمبر/كانون الأول 2026، ستعقد الأمم المتحدة مؤتمرها العالمي الثالث للمياه في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي واحدة من أكثر دول العالم التي تعاني من ندرة المياه.

وتعقد هذه المؤتمرات بوتيرة متسارعة، فقد انعقد الأول عام 1977، ثم لم يعقد الثاني إلا في عام 2023. أما الثالث فينعقد هذا العام، وقد تقرر بالفعل عقد مؤتمر رابع في عام 2028. وتعكس هذه العجلة الجديدة حقيقة أن مبادرتين صممتا لحشد العمل العالمي بشأن المياه توشكان على الانتهاء.

أولا، ينتهي "عقد الأمم المتحدة للمياه" في عام 2028. وكان الهدف منه توليد الالتزام السياسي والزخم اللازمين لتحويل طريقة إدارة العالم للمياه. غير أن التقدم كان محدودا.

ومن بين الانتقادات الموجهة لكيفية تناول المياه في إطار أهداف التنمية المستدامة أنه غير كاف لاستيعاب "الضرورات الناشئة"، ولا يتيح بما يكفي التنسيق بين القطاعات المختلفة.

وفي الوقت نفسه، فإن الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، الذي يسعى إلى "ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي وإدارتها على نحو مستدام للجميع" بحلول عام 2030، متأخر بشدة عن المسار المحدد.

وأظهر تقرير صادر عن منظمة اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي أن 1ر2 مليار شخص ما زالوا يفتقرون إلى مياه شرب مدارة بأمان، وأن 4ر3 مليار شخص يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي.

وتعكس هذه الجهود غير اليقينية جزئيا غياب الارتباط بعملية سياسية واضحة. فلا توجد آلية حوكمة متعددة الأطراف للمياه، ولا أهداف ملزمة (على خلاف ما هو قائم في ملف تغير المناخ)، ولا مؤسسة عالمية واضحة ذات تفويض قوي للإشراف على حوكمة المياه.

وسيكون التصدي لذلك أمرا حاسما لدفع جهود حوكمة المياه نحو أجندة ما بعد عام 2030.

 

العمل من أجل 2026

إن آفاق تعزيز التعاون الدولي تصبح أكثر صعوبة. ففي خطاب ألقاه في دافوس في 20 يناير/كانون الثاني، لفت رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الانتباه إلى "الانقسام" في النظام الدولي القائم على القواعد. وفي 30 يناير، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إن المنظمة تواجه خطر "الانهيار المالي".

ومع ذلك، لا تزال الفرص قائمة أمام الدول للتلاقي حول قضايا حاسمة على أساس القيم والمصالح المشتركة. وإذا جرى توظيف مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في ديسمبر/كانون الأول على نحو مناسب، فيمكنه أن يطلق فترة من العمل الطموح هذا العام، محفزا تسريع الاستثمار والتقدم، ومجددا أهداف عقد الأمم المتحدة للمياه.

ويقول الباحثان إن ذلك يتطلب اتباع مقاربات عملية ومشاورات إقليمية منسقة جيدا، مع إشراك جميع أصحاب المصلحة المعنيين بصورة شاملة. ويجب أن يكون المؤتمر مستجيبا للتحديات المائية الناشئة. كما ينبغي تناول العمل المتعلق بالمياه بوصفه عنصرا حاسما للنشاط الاقتصادي، مع الإقرار بمركزيته في التنمية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ وفي الاقتصاد القائم على التدوير.

ومن بين الانتقادات الموجهة لمعالجة المياه في إطار أهداف التنمية المستدامة الحالي أنها غير كافية لاستيعاب هذه الضرورات الناشئة، ولا تتيح بما يكفي التنسيق بين القطاعات.

وتعد موزمبيق مثالا واضحا على ذلك، إذ إن تحدياتها المائية ليست أحادية البعد. فالبلاد تقع في بؤرة مخاطر مناخية، وهي شديدة التعرض لصدمات متعددة ناجمة عن النزاعات والكوارث الطبيعية. وتفرض هذه العوامل ضغوطا هائلة على السكان، حيث لا يستخدم سوى 28% منهم مصدرا لمياه الشرب المدارة بأمان.

وينبغي للأطر الجديدة أن تعالج بصورة أفضل التوترات المعقدة والمترابطة بين تسريع التقدم في إتاحة المياه والصرف الصحي، وبين دور المياه في الزراعة وإنتاج الطاقة والتكيف مع تغير المناخ والكوارث الطبيعية.

يعود جزء من التحدي في معالجة حوكمة المياه العالمية إلى أن توافر المياه واستخدامها وتلوثها يختلف بطبيعته من مكان إلى آخر. فاختلافات المناخ والتضاريس والهيدرولوجيا وخصائص التربة تؤثر جميعها في توافر المياه وقدرة البيئات على استيعاب التلوث. وهذا يعني أن الأهداف العالمية القائمة على الحجم لخفض استخدام المياه والتلوث غالبا ما تكون غير مفيدة.

ومع ذلك، فإن آثار دورة المياه ليست محلية بالكامل. فالحلول يجب أن تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون داخل أحواض الأنهار، وعبر الحدود الوطنية، وعلى امتداد سلاسل الإمداد الدولية.

وتنوعت العمليات العالمية السابقة التي تناولت استخدام المياه على نطاق واسع، إذ شملت كل شيء من تعزيز الوصول إلى المياه والصرف الصحي والنظافة لأفقر سكان العالم، إلى التعاون في مجال المياه العابرة للحدود. كما تدار المياه عبر رقعة مجزأة من السياسات الوطنية أو المحلية، التي تختلف في فعاليتها. والمعايير البيئية بدورها متقطعة وغالبا ما تهمش. والشفافية نادرة.

وتعرض مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في عام 2023 لانتقادات لأنه اكتفى بتعهدات طوعية من الحكومات والشركات والمجتمع المدني، ولغموض نتائجه.

ويمكن لاتفاق يجري التفاوض عليه واعتماده على نطاق واسع من قبل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن يشكل معاهدة ملزمة قانونا لتحقيق الأهداف، تلزم الدول باتخاذ إجراءات، مع عقد مؤتمرات دورية لمراجعة التقدم المحرز. غير أن هناك الكثير مما ينبغي استكشافه بشأن ما سيكون الأنسب لقضية المياه، نظرا لطبيعتها المعقدة ومتعددة الأبعاد.

وخلص الباحثان إلى أنه على أي حال، فإن العمل لتحسين حوكمة المياه على المستوى العالمي بات حاجة ملحة، وينبغي لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه في ديسمبر أن يدفع بهذه الأفكار قدما.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة