كارثة: المصريون رابع أكثر شعوب العالم اعتمادا على "Chat GPT" في حل مشاكلهم اليومية والأسرية
موضوعات مقترحة
د. نادية جمال: الذكاء الاصطناعي لا يعرف المشاعر ولا يصلح لإدارة الخلافات الزوجية
المصريون من أكثر شعوب العالم اعتماداً على "شات جي بي تي" في أمور حياتهم اليومية، وفقاً لأحداث الإحصائيات الصادرة في هذا الشأن – والتي نستعرضها في سطور التحقيق التالي – لكن المشكلة ليست في كثافة الاستخدام، وإنما في طريقة وأهداف هذا الاستخدام. حيث اتضح أن هذا التطبيق أصبح يتدخل في الكثير من الأمور المصيرية والحياتية مثل قرار الطلاق والانفصال بين الأزواج، ومن هنا ظهر مصطلح "طلاق بالـAI".. فبدلا من اعتماد الزوجين على أهل الثقة والحل والعقد وعلماء الدين أصبحوا يلجأون للتطبيق طلبا للفتوى أو للاستشارة في طلب الطلاق من عدمه، الغريب حقا أن التطبيق يمارس أحيانا دورا تحريضيا لهدم الأسر وتلفيق الخيانة الزوجية وهذا ما نكشفه بالتفصيل في سطور التحقيق التالي.
المرتبة الرابعة
رغم التحذيرات التي أطلقها الكثير من الخبراء حول الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، إلا أن دراسة حديثة صادرة عن شركة "كي بي إم جي"، خلال أغسطس الماضي، أظهرت أن مصر تحتل المرتبة الرابعة عالميًا من حيث الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، وذلك ضمن دراسة شملت 47 دولة. وبحسب النتائج، فإن 90% من المصريين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بانتظام، فيما يرى 83% أنها مفيدة، ويشعر 72% بالأمان عند استخدامها، كما سجل المصريون ثالث أعلى معدل ثقة بالذكاء الاصطناعي بين الدول المشمولة بالدراسة، حيث أكد 61% أن منافعه تفوق مساوئه. كما أشارت الدراسة إلى أن 84% من المصريين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل، بينما يثق 79% في مخرجاته، في حين عبّر 60% فقط عن الحاجة إلى تشريعات تنظم استخدامه، وهي رابع أقل نسبة عالميًا.
تجربة عملية
بعض الأزواج الذين تحدثنا إليهم في هذا التحقيق أكدوا لنا أنهم يعتمدون على شات "جي بي تي" في حياتهم الخاصة لأنه لن يكشف أسرارهم لأي أحد، كما أنه يقدم لهم نصائح تتوافق مع حالتهم، في حين يرى البعض أن الكثير من النصائح صادمة، نحن قررنا التجربة بأنفسنا حيث أدخلنا للتطبيق هذا السؤال: "عندي خلافات حادة مع زوجتي وقدمت لها كل الخير ومع ذلك تنكر وأنا لا أشعر بسعادة ولا أريد أن أكمل هذه العلاقة.. هل تنصحني بالطلاق" وكان الرد: "إن لم يبق احترام أو راحة.. إذا وصلت لمرحلة انعدام الاحترام أو الأمان النفسي، أو أنكما جرّبتما كل وسائل الإصلاح دون نتيجة، فالطلاق في هذه الحالة ليس فشلًا، بل قد يكون رحمة للطرفين. الله سبحانه يقول: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ." نصيحة أخيرة لا تتخذ القرار وأنت في قمة الغضب أو الحزن. انتظر حتى تهدأ مشاعرك تمامًا، ووقتها قرر بعقلك لا بقلبك.
نصائح مدمرة
تقول الدكتورة نادية جمال، استشاري علاقات أسرية وإرشاد نفسي، إن "شات جي بي تي" وغيره من تطبيقات الدردشة الذكية يعتمد على حديث الشخص الذي يحكي مشكلته والكلام الذي يقوله للتطبيق على انفراد سواء كان الزوج أو الزوجة، علماً بأنه حتى نصل لحل لأي مشكلة يجب أن يكون الطرفان مشاركان في الحديث، ولا يصح أن يعبر طرف واحد عن وجهة نظره في المشكلة، أيضا لجوء أحد الطرفين لهذا التطبيق يعني أن هناك مشكلة أخرى في المواجهة وأن هناك افتقاد لمهارات التواصل أو النقاش بين الطرفين. ومعنى ذلك أن الطرف الذي لجأ لشات "جي بي تي" يريد أن يتخذ قرارا بمفرده دون أن يناقش الطرف الآخر، وهذا القرار مبني على أسلوب غير سليم لحل المشكلات، وذلك لأن شات "جي بي تي" هو تطبيق ذكي للأفكار الجديدة أو ترتيب بعض الأفكار أو لمساعدة الشخص علميا وثقافيا كمرجع، وبالتالي فهو ليس مخصصا للمشاعر أو لإدارة الخلافات الزوجية، لكن الاستعانة به لحل مشاكلي الشخصية أو العائلية هذا أمر غير سليم بالمرة، ومن ناحية أخرى فقد ثبت بالتجربة أن شات "جي بي تي" يسهم في زيادة حدة الخلافات بين الطرفين، لأن كل طرف يتعامل مع المشكلة بمعزل عن الآخر ويبني قراراته المصيرية على النصيحة التي تلقاها من الشات، والكارثة الكبرى أن شات "جي بي تي" في كثير من الأحوال ينصح الأزواج بالطلاق أو الانفصال، لأنه يتخذ قراراته بالعقل فقط لمعطيات رياضية، وبالتالي يتجاهل العاطفة والعشرة والمشاعر الوجدانية كما أنه لا يستطيع أن يتفاعل مع الطرفين معا وبالتالي لن يتمكن من معرفة عيوب أو مزايا الطرفين وكيف يمكن أن يوفق بينهما لأنها ليست وظيفته، مما يعني أن البعض يستخدمه في غير محله، أيضا ليس عنده القدرة على تفهم المشكلة من الطرفين، فما يسمعه من الطرفين يقوم بترجمته علميا فقط، فهو يعطي بيانات ولكن لا يقدم حلولاً.
إفشاء الأسرار الخاصة
وتضيف "جمال" أن أكثر الحالات التي صادفتها في هذا الأمر تتعلق بالاعتماد على التطبيق في الفضفضة وإفشاء الأسرار الخاصة بكل طرف، ومن مزايا هذا السلوك أن يعمل تفريغا نفسيا للزوجة أو للزوج، حيث يقوم بالحديث مع شات "جي بي تي" في أمور قد يصعب عليه أن يتناولها مع أي شخص آخر، لكن في نفس الوقت هل يتم مسح هذه البيانات من التطبيق أم أنه يقوم بتخزينها واستغلالها في أغراض أخرى، ولذلك نرى أن هذا السلوك خطأ وأنصح بعدم الاعتماد على مثل هذه التطبيقات في اتخاذ القرارات الحاسمة أو المصيرية، فهو لا يهتم بكل جوانب العلاقة الزوجية، والبديل أن يتحاور الطرفان معا وجها لوجه لأن التكنولوجيا مع الأسف تسببت في حالة من الانعزال بين البشر، فكل طرف مسئول عن جزء من المشكلة وبالتالي يجب أن يكون هناك مواجهة بين الزوجين، أيضا التطبيقات الذكية مخزنة بالبيانات المشابهة وبالتالي فإن الحلول التي تقدمها للمشكلات ستكون متشابهة أو متكررة فقد يقدم شات "جي بي تي" نصيحة أو حلاً واحداً لـ10 حالات مع العلم أن كل حالة تختلف في التفاصيل عن الأخرى في ظروف الحياة ونمط التفكير كما أن لكل شخص نسبة مختلفة عن الآخرين في القدرة على استيعاب الطرف الآخر، لذلك يجب أن نلتفت لخطورة المشكلة.
غياب الطرف الثالث
وتذكر خبيرة العلاقات الأسرية أن شات "جي بي تي" أصبح يحل محل الطرف الثالث الذي كان يتمثل في أحد الأقارب مثلا أو الأصدقاء أو المعارف، والحقيقة أن الاعتماد على طرف ثالث لحل المشكلات الزوجية في الأصل مسألة مرفوضة لأنه يتسبب في إشعال الخلاف بأفكاره وتحيزاته لأحد الطرفين، وعدد كبير من الأزواج اكتشفوا ذلك، وهذا ما جعل بعض الأزواج يلجأون للتطبيقات الذكية وهي مسألة مرعبة وتطور خطير في العلاقات الاجتماعية.
تسريب المعلومات الشخصية
أما المهندس محمود فرج، خبير تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، فيرى أن أغلب شعوب العالم أصبحت تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الكثير من الأمور الحياتية نظرا لقوتها وسرعتها في إنتاج المعلومات بشكل مذهل، مما يعني أن هناك خطورة قد تترتب على عدم الوعي بقواعد الاستخدام، وفي مسألة الحياة الزوجية سنجد أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعلمت ذاتيا أن ترد وبالتالي لم تتعلم أن تقول "لا أعرف"، وبالتالي فقد أصبح بإمكانه الرد على أي سؤال أو استشارة، وقد نجحت هذه التطبيقات من خلال تعاملات البشر من جمع الكثير من الأسرار والمعلومات والتجارب والمشكلات الأسرية، ثم بدأت هذه المعلومات تتسرب إلى محركات البحث الأخرى على جوجل مثلا، وبدأت تظهر بعض المشكلات الشخصية التي كانت مطروحة على شات جي بي تي، وبالتالي لو أن الزوجة تبحث عن معلومات تخص زوجها ممكن تظهر على جوجل، أيضا هناك ثغرات تتعلق بالتحايل على التطبيق، وبالتالي فإن الأسرار التي يحكي عنها أحد الطرفين لشات "جي بي تي" أصبح من الممكن أو المحتمل أن تنتقل بسهولة للمتصفحات الأخرى، وللأسف هناك مشكلة خطيرة جداً تتعلق بأننا أصبحنا نستخدمه في كافة الأمور الحياتية وهذه كارثة، لأننا بدأنا نلغي الوعي والعقل، حتى الناس بدأت تسأله في الأبراج وتفسير الأحلام والخيانة الزوجية وخلافه، كما بدأ الاعتماد عليه في التشخيص والعلاج وبعض الأدوية، وهذا ما يؤدي لمشاكل خطيرة قد تؤدي للوفاة.
قصة واقعية
ويحكي فرج أن إحدى السيدات طلبت الطلاق من زوجها بعد زواج استمر 12 سنة لأن شات "جي بي تي" قال لها: إن زوجها يخونها، وعلى ما يبدو أن التطبيق كشف عن بعض التعاملات أو المعلومات الخاصة جدا والتي كان يذكرها الزوج للتطبيق، وبالتالي فإن التطبيق قام بتسريب أسرار هذا الزوج إلى الزوجة فتسبب في حدوث الطلاق بينهما، وبالتالي فهو ليس وسيلة آمنة كما يعتقد البعض وإنما يقوم بتخزين المعلومات واستخدامها دون ضوابط أو شروط، وبالتالي فإن له تأثير سلبي ويؤدي للطلاق، أيضا أصبح التطبيق يتلقى أسئلة كثيرة من نوعية "هل جوزي بيخوني؟"، وفي كل الأحوال فإن التطبيق لم يتعلم أن يقول لا ومن خلال دراسته لشخصية الزوج وشخصية الزوجة والمعلومات المخزنة لديه فإنه ربما يعطي إجابة تتسبب في حدوث الانفصال والطلاق، وبالتالي سيتسبب في حالة من حالات التفكك الأسري، وتزداد الخطورة مع الأجيال الجديدة التي تعتمد عليه بصورة أكبر، وبالتالي يجب زيادة درجة الوعي بضرورة الاستخدام الجيد، وأن يكون هناك تدريب للزوجين بهذه المتغيرات الجديدة وكيفية عمل هذه التطبيقات وكيفية التعامل بها في الحالات المختلفة، أيضا يجب أن يكون بين الأزواج وعي أكبر، لأن مع التطورات الجديدة من الممكن أن يختلق شات جي بي تي صورا ومشاهد فيديو غير حقيقية رغم أنها تبدو طبيعية وبالتالي ممكن يتسبب في تشويه سمعة البعض أو استغلالها في تلفيق الخيانة الزوجية.
رأي الدين
من جانبه، حددت دار الإفتاء القواعد المرعية في إدارة الخلافات الزوجية واتخاذ قرار الطلاق بضرورة الاحتكام لأطراف من أهل الزوجين "حكم من أهله وحكم من أهلها"، حيث يتطلب قرار الطلاق تفكيراً وتوازناً بين أسبابه وتداعياته، مع التأكيد على محاولة الإصلاح واستشارة ذوي الخبرة والاستخارة قبل اتخاذ القرار. كما ينبغي للمرأة أن تنظر إلى الجوانب الإيجابية في زوجها وأن تتذكر قوله تعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا". كما حذرت كثيرا من الاعتماد على الإنترنت أو التطبيقات المختلفة في اتخاذ مثل هذا القرار.