حين نحتفل بمئوية ميلاد أحمد الحضري (26 أكتوبر 1926)، فنحن لا نستدعي اسماً لامعاً في النقد فقط، بل نستدعي عقلاً بنى “ذاكرة” للسينما المصرية والعربية على أساسٍ من الوثيقة والدقة والمراجعة الصبورة للمصادر.
وُلد الحضري في القاهرة، وتلقى تعليمه في كلية الفنون الجميلة (تخصص العمارة) قبل أن يتجه إلى عالم السينما كتابةً وتوثيقاً وإدارةً ثقافية، وهو مسار يفسّر جانباً من شخصيته العلمية: عينٌ تنظر إلى التفاصيل بوصفها وحدات بناء، ثم تعيد تركيبها في سردية تاريخية محكمة.
لم يكن أحمد الحضري “ناقداً صحفياً” بالمعنى الشائع فحسب، بل كان مؤرخاً سينمائياً بالمعنى الذي يجعل من الفيلم وثيقة اجتماعية وفنية في آن واحد. يظهر ذلك بوضوح في طريقته في تعريف “البدايات”: ففي حوار منشور ضمن مشروع مكتبة الإسكندرية (AlexCinema)، يرفض الحضري اختزال تاريخ السينما المصرية في عنوان واحد أو في “أول فيلم روائي طويل” على حساب ما سبقه من تصوير وعروض وتجارب؛ ويؤكد أن التوثيق الصحيح يبدأ من “أول فيلم صُوّر في مصر” أياً كان طوله أو نوعه، وينبّه إلى خطأ شائع في اعتبار فيلم “ليلى” (1927) هو البداية لمجرد أنه فيلم طويل. في هذا الموقف تتجلى فلسفته: التاريخ ليس حكاية سهلة تُروى من قمة الهرم إلى قاعدته، بل شبكة من الأدلة والوقائع التي تحتاج إلى إعادة ضبطٍ للمفاهيم قبل سردها.
هذه الروح “التأسيسية” ليست نظريةً عابرة في كتاباته، بل انعكست في أدواره المؤسسية، إذ يُنسب إليه تأسيس جمعية الفيلم عام 1960، وارتباط اسمه بنشاط نوادي السينما ومركز الثقافة السينمائية مثل تأسيس نادي سينما القاهرة وغيرها من مواقع التأثير التي أسهمت في تشكيل الذائقة وتوسيع جمهور الأفلام غير التجارية والوثائقية والقصيرة. كما تقلّد مناصب أكاديمية وإدارية مهمة، منها عمادة المعهد العالي للسينما في أواخر الستينيات، (الذي اشترط أن يتخرج الطلاب منه بعمل فيلم قصير)، ثم أدوار قيادية لاحقة في مؤسسات سينمائية وثقافية متعددة منها مهرجانا القاهرة والإسكندرية السينمائي.
لكن الإنجاز الذي يظل الأكثر التصاقاً باسمه -والأكثر دلالة على معنى “المؤرخ السينمائي”- هو مشروع موسوعة تاريخ السينما في مصر. هذا العمل لا يُقرأ بوصفه كتاباً مرجعياً فحسب، بل بوصفه “بنية توثيقية” تحاول أن تُحصى وتتحقق وتضع كل فيلم في سياقه: إنتاجاً وعرضاً وأسماءً وتواريخ ومسارات.
وقد صدر المشروع عبر مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي (CULTNAT) التابع لمكتبة الإسكندرية وبالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب، بما يعكس اعترافاً مؤسسياً بأن ما يفعله الحضري ليس “وجهة نظر نقدية” بل “تراث” يحتاج إلى حفظٍ ومنهج.
أهمية الحضري لا تأتي من كثرة المعلومات وحدها، بل من المعايير التي جعلته يقاوم السرديات الكسولة. كثير من تاريخ السينما -خصوصاً في بلداننا- يتعرض لفقدان الوثائق وتشتت الأرشيف وغياب الفهارس.
هنا يظهر دور المؤرخ الذي يربط بين مصادر متفرقة: صحف قديمة، سجلات عروض، كتالوجات دور سينما، شهادات، وأحياناً تصحيح أسماء وأرقام تراكم عليها الخطأ. لذلك بدا الحضري في نظر أجيال من النقاد “شيخ نقاد السينما” ومرجعاً يتجاوز اختلاف الأذواق والمدارس.
وإذا كان النقد عند كثيرين ينتهي عند الحكم الجمالي، فإن الحضري جمع بين الحكم والمعرفة: يكتب عن الفيلم، لكنه يكتب أيضاً عن شروط إنتاجه، وعن لحظة عرضه، وعن علاقة السينما بالمجتمع والسياسة والثقافة. ولهذا ظل اسمه حاضراً حتى في دراسات أكاديمية حديثة بالإنجليزية تستشهد بكتبه بوصفها مرجعاً لتاريخ السينما الصامتة والتحول إلى الصوت.
ومن المهم في مناسبة المئوية أن نرى أثره المستمر بعد رحيله في يناير 2017، ليس فقط عبر الكتب، بل عبر فكرة “التخليد المؤسسي” لاسم الناقد المؤرخ: فقد أعلنت الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما عن جائزة سنوية تحمل اسمه، وهو تقليد رمزي يقول إن ما تركه الحضري ليس مجرد ماضٍ منتهِ، بل معيار مهني وأخلاقي في النظر إلى السينما بوصفها ثقافةً وذاكرة.
إن مئوية أحمد الحضري ليست مجرد رقم؛ إنها لحظة مناسبة لنسأل: ماذا يعني أن يكون لدينا “مؤرخ سينمائي” في زمن تُستهلك فيه السينما بسرعة، وتُختزل فيه المعرفة إلى انطباعات؟ الحضري يقدّم إجابة عملية: أن تحب السينما لا يكفي، وأن تكتب عنها لا يكفي، بل يجب أن تحفظها من النسيان عبر التوثيق، وأن تحمي تاريخها من التشويه عبر التدقيق، وأن تمنح أجيالاً لاحقة فرصة أن تبدأ من أرض صلبة لا من حكايات متوارثة.
لهذا، حين نحتفل بمئويته، فإننا نحتفل بفكرة أكبر من شخص: فكرة أن السينما تاريخٌ يستحق أن يُكتب كما تُكتب تواريخ الأمم -بالوثيقة، وبالصبر، وبالاحترام العميق للتفاصيل.