تقرير البنك الدولي يكشف التحديات التي تواجه الشرق الأوسط.. ويدعم التحول نحو الاقتصاد الدائري

5-2-2026 | 10:34
تقرير البنك الدولي يكشف التحديات التي تواجه الشرق الأوسط ويدعم التحول نحو الاقتصاد الدائريجامعي القمامة - صورة أرشيفية
دينا المراغي

في ظل توقعات بارتفاع معدلات توليد المخلفات الصلبة بنسبة 70% بحلول عام 2050، باتت إدارة النفايات القضية البيئية الأكثر إلحاحًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. التحدي لم يعد مجرد مشكلة تشويه بصري للمشهد الحضري، بل تحول إلى تهديد وجودي للموارد الطبيعية والصحة العامة، والاقتصادات الوطنية، مما يستدعي تحولاً جذرياً في أنظمة الحكم والإدارة بعيداً عن الأساليب التقليدية نحو نهج الاقتصاد الدائري.

موضوعات مقترحة

وتولي الحكومة المصرية ملف إدارة المخلفات الصلبة أولوية متقدمة ضمن أجندة العمل البيئي والتنمية المستدامة، حيث اتخذت الدولة خلال السنوات الأخيرة خطوات جادة لإعادة هيكلة المنظومة على أسس علمية ومؤسسية، شملت تطوير البنية التحتية، وإغلاق المقالب العشوائية، والتوسع في إنشاء محطات الفرز والتدوير والمعالجة الآمنة. كما عملت الحكومة على تعزيز الإطار التشريعي والتنظيمي.

 

أرقام فاضحة والفجوة بين الواقع والمأمول

تكشف البيانات الحديثة الصادرة عن تقرير البنك الدولي، عن هول الكارثة التي تضرب المنطقة؛ فمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تسجل معدلات مرتفعة للغاية في توليد المخلفات الصلبة للفرد الواحد إذا ما قورنت بالمتوسط العالمي. ومع هذا التزايد الكمي الهائل، يظل الأداء في إدارة هذه المخلفات دون المستوى المطلوب بشكل خطير.

وبحسب التقارير ..لا تتوقف خطورة الأزمة عند حدود الكميات المهولة، بل تمتد لطبيعة التعامل معها. تشير الإحصائيات إلى أن نسب إعادة التدوير في المنطقة لا تتجاوز حاجز الـ 10%، وهو مؤشر ضعيف يكشف عن فشل إستراتيجي في استرداد القيمة المادية من هذه المخلفات. والأدهى من ذلك، أن أكثر من ثلثي المخلفات المنتجة يُترك دون إدارة سليمة، ليتم إلقاؤها في مقالب عشوائية مكشوفة أو حرقها في الهواء الطلق، مما يخلق كارثة بيئية متكاملة الأبعاد.

التكلفة الخفية: 7.2 مليار دولار سنوياً

الأثر الاقتصادي لهذه الإدارة المتردية مذهل ومدمر. وفق التقييمات الدقيقة، تُقدر الخسائر الاقتصادية والبيئية الناجمة عن سوء إدارة المخلفات في المنطقة بنحو 7.2 مليار دولار سنوياً. هذه الخسائر ليست مجرد أرقام افتراضية، بل هي نتاج حقيقي لتلوث الهواء والتربة والمياه، وتزايد النفايات البحرية التي تهدد النظم البيئية البحرية، بالإضافة إلى التكلفة الصحية الباهظة الناتجة عن تدهور جودة الهواء.

وفي سياق متصل، يلعب غاز الميثان، أحد أخطر غازات الاحتباس الحراري والمنبعث من تحلل المخلفات العضوية، دوراً محورياً في تفاقم التغير المناخي. هذا الوضع يجعل المنطقة مساهماً كبيراً في الاحتباس الحراري ليس فقط من خلال الصناعة، بل أيضاً من خلال مقالب القمامة غير المدارة، مما يعني أن معالجة ملف المخلفات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الالتزامات المناخية الدولية للدول.

تقرير البنك الدولي: خارطة طريق للإنقاذ

في محاولة لوضع اليد على الجرح وتقديم الحلول العلمية، أطلقت وزارة البيئة المصرية، بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي، التقرير الرئيسي حول "إدارة المخلفات الصلبة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". ولم يكن إطلاق التقرير مجرد إجراء روتيني، بل جاء كإنذار مبكر وأداة تحليلية لصانعي القرار.

وقد اختارت الوزارة المركز الثقافي التعليمي "بيت القاهرة" بالفسطاط مقراً للإعلان عن هذا التقرير، وهو الحضور الذي جمع بين القيادات التنفيذية المصرية، وممثلي البنك الدولي، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص. هذا التجسيد للمشاركة المجتمعية جاء ليعكس أن حل أزمة المخلفات ليس مسؤولية حكومية منفردة، بل يتطلب تظافر كل القطاعات.

تستند الدراسة إلى بيانات دقيقة وشاملة تغطي 19 دولة و26 مدينة في المنطقة، مما يمنحها مصداقية عالية ودقة في التشخيص. ولا تكتفي الدراسة برصد الأزمة، بل تقدم مقارنة موضوعية بين أداء الأنظمة الحالية والمعدلات العالمية، وطرح حلولاً عملية تهدف إلى تقليل الأضرار البيئية والاقتصادية، وتعزيز الصحة العامة، وخلق فرص اقتصادية جديدة من خلال تعظيم نسب إعادة التدوير.

الدور المحوري للبنك الدولي نحو اقتصاد دائري

تؤكد ماريا صراف، المدير الإقليمي لممارسات البيئة بالبنك الدولي، أن المجموعة تلعب دوراً محورياً يتجاوز مجرد التمويل ليدخل في صلب التفكير الاستراتيجي. وتشير صراف إلى أن البنك يعمل على تقديم التحليل العلمي ووضع خارطة طريق للإصلاح تعتمد على التخطيط طويل الأجل، وتبني نهج "الاقتصاد الدائري" الذي يرى في النفاية موارد لم تُستغل بعد.

ويتركز الدعم الدولي في عدة محاور رئيسية، أبرزها دعم السياسات المخصصة وفقاً لمستويات الدخل في كل دولة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص الذي يمتلك الكفاءة التقنية والإدارية، وتطبيق آليات التمويل المستدام. نقطة جوهرية يطرحها البنك هي دمج العاملين في القطاع غير الرسمي (الزبالين) ضمن المنظومة الرسمية، وهو ما يحقق بعداً اجتماعياً هاماً يضمن العدالة الاجتماعية ويحسن ظروف عمل هذه الفئات الهامشية التي كانت لعقود تدير جزءاً كبيراً من إعادة التدوير دون حماية.

النموذج المصري: من إدارة الأزمات إلى الحوكمة المؤسسية

في قلب هذا السياق الإقليمي، تأخذ مصر موقعاً متقدماً في محاولات الإصلاح. تولي الحكومة المصرية ملف إدارة المخلفات الصلبة أولوية قصوى ضمن أجندة التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030). لم تعد الدولة تعتمد على الحلول المؤقتة، بل اتخذت خطوات جادة لإعادة هيكلة المنظومة بالكامل على أسس علمية.

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في البنية التحتية، بدءاً من حملات إغلاق المقالب العشوائية غير الصحية، مروراً بإنشاء وتطوير محطات الفرز الميكانيكي والبيولوجي، والتوسع في مصانع التدوير والمعالجة الآمنة. وعلى الصعيد التشريعي، تم تعزيز الإطار القانوني والتنظيمي ليتماشى مع المعايير الدولية، وتم فحص الباب أمام القطاع الخاص عبر نماذج الشراكة التي تضمن الاستدامة المالية للمشروعات.

توجهات المستقبل: رؤية وزارة البيئة

في كلمتها خلال فعالية إطلاق التقرير، قالت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، إن التقرير ليس مجرد ورقة بحثية، بل "أداة تحليلية مهمة" لدعم صانعي القرار. وأوضحت "عوض" أن التحديات المتزايدة تتجاوز الحلول التقليدية، وتتطلب تبني حلول متكاملة قائمة على التخطيط طويل الأجل وبناء شراكات فعالة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع.

وحذرت الوزيرة بوضوح من أن تكلفة "اللا شيء" أو الإدارة الضعيفة للمخلفات تؤدي إلى خسائر بيئية واقتصادية تفوق بكثير تكلفة الإصلاح. ورأت أن الإدارة السليمة للمخلفات، رغم أنها تتطلب استثمارات أولية، إلا أنها تحقق عوائد تنموية ملموسة على المدى القريب والبعيد.

المحصلة التي يستنتجها التقرير وما رشح عن فعاليات إطلاقه هو أن المنطقة تقف على مفترق طرق. إما الاستمرار في نهج "الدفع والرمي" الذي يكبد خزائن الدول مليارات الدولارات سنوياً ويهدد صحة شعوبها، أو التحول الجاد نحو نهج الاقتصاد الدائري الذي يقلل من التوليد من المصدر، ويعيد الاستخدام، ويعزز التدوير. هذا التحول لا يعني فقط حماية البيئة، بل يعني خلق فرص عمل جديدة، وتوفير الطاقة، وتحقيق الأمن المائي والغذائي، مما يجعل من ملف المخلفات الصلبة ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة في العقود القادمة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة