أولًا: وفي بداية حديثي أذكر بقوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ). فإن في التذكرة الإفادة لمن أراد أن يستقيم، وإن في التذكرة وضع الأمور في نصابها القويم في أمر الولاية والاستوزار، وفي التذكرة وضع أي مسئول تولى أمرًا ما أنه ليس بعيدًا أو في منأى عن المساءلة، وعليه أن يعي ذلك جيدًا.
ثانيًا: وحتى لا يفهم كلامي خطأ، كأن يقال إنني أقصد شخوصًا بعينها أو وزارات بعينها أو مسئولين بشخوصهم، أو طمعًا في منصب أو ما شابه ذلك. فالله أشهده أنني تخليت عن منصبي في رئاستي لقسم الفلسفة ذات يومٍ، وتقدمت باستقالتي عندما وجدت في نفسي أنني لن أفيد مؤسستي، أو أنني لن أتواءم مع إدارتي التي أعتز بالانتماء إليها، أو هكذا أزعم والله من وراء القصد، وعليه التوكل والتكلان.
ثالثًا: نذكر أيضًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ"، ولنا في خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة؛ ألم يعزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خالد بن الوليد من قيادة الجيوش، وأعاده مجندًا في صفوف الجيش؟ فعلها، هل لضعف خالد وعدم قدرته؟ كلا، وإنما لأنه وجد في أبي عبيدة عامر بن الجراح الحنكة لإدارة هذه المعركة. وكثير من الولاة تم عزلهم لأنهم -لا أقول حادوا عن طريق الجادة- وإنما وجد فيهم الخلفاء بعض التراخي في الإدارة.
نعم، التراخي والتماهي في الإدارة كارثة تضرب أي مؤسسة من مؤسسات الدول في صميمها؛ بمعنى أن هناك ضرورة ملحة على كل مسئول يتولى أمر إدارة ما -إدارة ثقافية، اقتصادية، سياسية، اجتماعية- أن يقف ساهرًا متنبهًا ومنتبهًا لكل صغيرة وكبيرة تحدث داخلها، وعدم الانصياع إلى سياسة "معلش ما كانش يقصد، سامحه هذه المرة".
أو بمعنى آخر، أن المسئولية تحتم على من قبل تحملها أن يكون على قدرها؛ أي يراعي الله سبحانه وتعالى في هذا العبء الذي قبل تحمله بإرادته غير مكره على ذلك، فزمن الجلوس في المكاتب ولى وانقضى عهده، وعلى أي مسئول أن يراعي ضميره في أمانته ويهتم بمتابعة من يترأسهم، خصوصًا إن تولى منصبًا خدميًا يخص المواطنين؛ فالاهتمام بحياة المواطن المعيشية أمن قومي وواجب وطني.
ليس هذا وحسب، بل يسعى جل جهده أن يحقق الرفاهية ويحقق حياة كريمة للمواطنين، كل في مجال تخصصه ووفق طبيعة المنصب الذي يتولاه، من أصغر الوظائف إلى أعلاها. وإذا لم يحقق هدف من أتى به إلى هذا المنصب فليتركه ويغادره فورًا، وليقدم استقالته أكرم وأشرف له من أن يقال.
إن المناصب القيادية تكليف وليست تشريفًا؛ من يؤدي عمله بإخلاص ترفع له القبعة، ومن لم يؤده بما يرضي الله تعالى فليتركه لمن سيؤدي ولمن سيتقي الله في هذه الأمانة؛ لأن الجميع سيقف أمام الله وسيحاسب عن رعيته وعن عمله وعن ماله وعن كل صغيرة وكبيرة.
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة