يحبس العالم أنفاسه في اللحظة الراهنة، ويراقب هل تنجح مصر والسعودية وتركيا في منع "الانفجار الكبير"، واندلاع حرب مدمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. فقد أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استجابة بلاده لطلب الدول الصديقة في المنطقة بالدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة.
ومن المرجح أن تجري المحادثات في إسطنبول يوم الجمعة المقبل، ويُتوقع مشاركة وزراء خارجية من دول عربية وإسلامية بينها مصر وعُمان وباكستان وقطر والسعودية والإمارات، في مسعى لدعم الوساطة الإقليمية، والتي تأتي وسط سعي حثيث لتجنب تصعيد عسكري في المنطقة.
وفي الوقت نفسه يبدأ الرئيس التركي أردوغان زيارة إلى السعودية ومصر لبحث العلاقات الثنائية مع البلدين، وما يمكن القيام به لمنع تفاقم الأزمة الإيرانية، والتطورات الإقليمية، والخطوات المشتركة في إعادة إعمار غزة.
وإذا تمكنت مصر بالتنسيق مع السعودية وتركيا وبقية الدول العربية من سحب المواجهة من حافة الهاوية، فإنها سوف تدشن ولادة مجموعة قوية تمكنت من تعديل مسار السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك بعدما فعلتها في غزة.
ومن المهم هنا أن نسجل أن مصر والسعودية وتركيا وباكستان تمكنت من الوصول إلى ترامب، ومؤسسات الدولة الأمريكية العميقة، وبات واضحًا أن رؤية هذه الدول تحظى بوزن في أروقة واشنطن. وأهم سلاح فعال هو إقناع ترامب بأن ضرب إيران يحمل خطر الفوضى، وعدم الاستقرار، وتهديد مصالح أمريكا أولاً.
وتجادل مصر والسعودية وتركيا وقطر وسلطنة عمان بأن أمريكا لا تحتاج إلى حلفاء يسعون إلى إثارة الفوضى لذاتها، بل تحتاج إلى حلفاء يدركون أن الاستقرار، مهما كان ناقصًا، أفضل من الفوضى، وأن الإصلاح لا يتحقق إلا في ظل وجود دولة قائمة. ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا مثال على هذا الحليف.
وينبغي عدم الخلط بين الخلافات التكتيكية مع بعض حلفاء أمريكا الآخرين في المنطقة، وبين ابتعاد استراتيجي عن الولايات المتحدة نفسها. فمثل هذا الافتراض يُهدد بتقويض جهود الشركاء الذين يعملون على منع ظهور جيل جديد من الدول الفاشلة، وجيل جديد من التهديدات. وهذا لا يخدم المصالح الأمريكية، بل يُعد خيانة لها. ويبدو أن هذه الرؤية باتت تكتسب زخمًا رغم معارضة إسرائيل.
وفي الوقت نفسه تحاول القاهرة والعواصم الخليجية إقناع واشنطن بأن خلافات الدول العربية مع الولايات المتحدة والدول الغربية لم تنطلق بسبب عداء مستحكم للغرب، بل بسبب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ودولته المستقلة. فضلاً عن التدخلات الأمريكية والغربية في الشؤون الداخلية للدول العربية، واحتضان جماعات متطرفة، وتنظيمات إرهابية بدعوى حرية التعبير وحقوق الإنسان، وأهمية إشراك هذه الجماعات في العملية السياسية.
وبعد سنوات من الشد والجذب والاكتواء بنار هؤلاء، فقد بدأت واشنطن وباريس تعيد النظر، وتحظر هذه الجماعات، وتصنفها جماعات إرهابية.
وفي الفترة الأخيرة وخاصة في ظل سياسات "الفوضى الخلاقة"، وتغيير النظم، والثورات الملونة، والحروب الهجينة برز اختلاف جوهري حول كيفية التعامل مع بعض أكثر دول العالم هشاشة.
ولقد كان موقف مصر واضحًا على الدوام، ويتبنى ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية، وأنه يمكن تثبيت الدول الضعيفة وإصلاحها، أما الدول الفاشلة فتصبح مرتعًا للإرهاب والجريمة والصراعات الدائمة. ولذلك، كانت أولوية مصر دعم الحكومات المعترف بها دوليًا في اليمن والسودان والصومال وليبيا، ومنع تفكك هذه الدول إلى دويلات صغيرة تسيطر عليها الميليشيات وأمراء الحرب.
وفي الوقت نفسه تمسكت مصر دائما بمبدأ "الأرض مقابل السلام"، ورفضت وقاومت بعناد تهجير الفلسطينيين، رغم كل الإغراءات والتهديدات. ورغم أنها هي من قادت عملية السلام، إلا أنها تعارض نموذجًا للتطبيع يتجاهل القضية الفلسطينية ويكافئ تفتيت الدولة ويضفي الشرعية على الميليشيات ويعجّل بانهيار الدولة. وهذا الموقف ليس معاديًا لأمريكا، بل يتماشى مع مصالحها الراسخة.
ومن ناحية أخرى تعمل القاهرة والسعودية على إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن مصالح بلاده تستفيد من حدود واضحة، وحكومات فاعلة، وأسواق طاقة آمنة، وممرات بحرية مفتوحة. لكنها لا تستفيد من شرق أوسط مقسم إلى دويلات متنافسة تحكمها جماعات مسلحة تستند سلطتها إلى السلاح، وشبكات التهريب والدعم الأجنبي.
وبينما تكثف مصر جهودها لإقناع مؤسسات الدولة الأمريكية الراسخة بصحة هذه الرؤية، فإن النخبة المصرية والعربية تبذل جهدًا على مسار معركة الرأي العام ومخاطبة التيار الرئيسي والجامعات ووسائل الإعلام ومراكز البحث بالتأكيد على أن التاريخ خير دليل على صحة الرؤية المصرية.
ولقد أظهرت الأحداث أن الإرهاب لا يزدهر في الدول القوية، بل في الدول الفاشلة. وتنتشر الجريمة العابرة للحدود وتجارة المخدرات وتهريب البشر حيث تنهار السلطة المركزية.
ويجادل على صحة الرؤية الكاتب علي شهابي في مقال بمجلة نيوزويك بعنوان "لا مصلحة للولايات المتحدة في شرق أوسط متشرذم"، ويقول الكاتب: "لا يحتاج الأمريكيون إلى ذاكرة طويلة ليدركوا ذلك، هجمات 11 سبتمبر لم تنطلق من دولة قوية ذات نظام استبدادي، بل من أفغانستان، وهي دولة ضعيفة ومنقسمة لدرجة أنها لم تستطع منع تنظيم القاعدة من العمل بحرية على أراضيها. وقد دفع ثمن هذا الفشل ليس فقط جيران أفغانستان، بل الولايات المتحدة نفسها".
مع ذلك، يبدو اليوم، مثلما يرى شهابي، أن بعض الأصوات في واشنطن متساهلة تجاه السياسات التي تدفع اليمن والسودان والصومال وليبيا إلى مزيد من التدهور. ويُنظر إلى التشرذم على أنه أمر يمكن السيطرة عليه، وتُعامل الميليشيات كشركاء محتملين، ويُعاد صياغة الانفصال على أنه "حق تقرير المصير". هذه كلمات مريحة، لكن الحقائق التي تخفيها وحشية. فبمجرد أن تبدأ الدول بالانقسام يصبح العنف أمرًا طبيعيًا، وتسيطر اقتصادات الحرب، وتجد الجماعات المتطرفة مساحة للعمل. وعكس هذه العملية أصعب بكثير من منعها في المقام الأول.
ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يهيمن عليها اليمين المتطرف، تتجاهل هذه العواقب طويلة الأمد. فالمكاسب التكتيكية، كإقناع زعيم محلي قوي أو دولة طموحة بتبني اتفاقيات أبراهام، تُعتبر انتصارات استراتيجية حتى وإن أدت إلى تفاقم عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها. وهذا حساب قصير النظر؛ فأمن دول المنطقة على المدى البعيد، كما هو الحال بالنسبة لأمن أمريكا، لن يستفيد من وجود مجموعة من الدول المجاورة الضعيفة، بل من منطقة تحكمها دول شرعية فاعلة، وترتكز على حل موثوق للقضية الفلسطينية.
ويبقى أن المرحلة الحالية تشهد معركة القاهرة والرياض وأنقرة على "عقل ترامب"، ومما لا شك فيه أن هذا الثلاثي يسجل "نقاطًا جيدة" في أزمات ملتهبة مثل غزة وسوريا والسودان والصومال وليبيا، والآن المعركة الأخطر تتعلق بملف إيران.
ولو تمكنت من حل دبلوماسي فإن موازين القوى في الشرق الأوسط ستكون مختلفة، وسوف نشهد مولد كتلة جديدة لها وزنها، ويحسب لها حساب كبير.