فتّش عن النفط في الحرب على إيران

3-2-2026 | 14:43

كان الدبلوماسي الأمريكي الشهير هنري كيسنجر، وهو من أكثر من فهموا منطق القوة في السياسة الدولية، بالغ الصراحة حين قال إن «إيران ليست مشكلة لأنها تفعل أشياء خاطئة، بل لأنها تفعل أشياء مستقلة». وهذه العبارة، في تقديري، تصلح مدخلاً كافياً لفهم ما يجري اليوم حول إيران، بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وبعيداً عن سيل المبررات الذي يتبدل شكله من حين لآخر، بينما يظل جوهره ثابتاً لا يتغير.

في التجربة الأمريكية، نادراً ما تبدأ الحروب بالأسباب، بل تبدأ بالقرارات. حيث تُتخذ الإرادة السياسية أولاً، ثم تُستدعى الذرائع لاحقاً من مخزون جاهز في خطاب القوة العظمى، والتي من أهمها: أسلحة دمار شامل، وإرهاب، وانتهاكات لحقوق الإنسان، وتهديد للسلم العالمي. وحين تُستهلَك ذريعة، تُستبدل بأخرى، دون حرج، ودون حاجة إلى اتساق منطقي. المهم أن تبقى ماكينة الضغط والدفع نحو الصدام دائرة.

هكذا كان الأمر في العراق عام 2003. لم تكن المشكلة الحقيقية في صدام حسين، بقدر ما كانت في عراقٍ يطفو على بحر من النفط، ويحتل موقعاً مركزياً في قلب المشرق، ويحاول، أو يُقدَّر له، أن يحتفظ بقدر من القرار المستقل. 

وحين سقطت الذرائع واحدة تلو الأخرى، اعترف بعض صُنّاع القرار الأمريكيين، في شهادات موثقة، بأن المعلومات الاستخباراتية جرى تطويعها لتلائم القرار السياسي، لا العكس.

حالتا فنزويلا وليبيا تؤكدان أيضاً أن النفط المقترن بالاستقلال هو جوهر الصدام. ففي فنزويلا، لم تكن المشكلة يوماً في تجارة المخدرات أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل في أنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، وقررت، منذ عهد هوجو تشافيز، إخراج هذا النفط من المعادلة الأمريكية التقليدية. وعند هذه النقطة بالتحديد بدأ العداء الحقيقي، في صورة عقوبات اقتصادية صارمة، وتجميد أصول، والاعتراف برئيس بديل، وتهديد بالتدخل العسكري. تغيرت العناوين، لكن الثابت كان النفط، ومحاولة كسر إرادة دولة أرادت أن تتصرف بوصفها مالكة لثروتها لا وكيلاً عنها.

أما ليبيا، فتمثل المثال الأكثر فجاجة. لم تبدأ الحرب عام 2011 لأن واشنطن «اكتشفت فجأة» أن نظام القذافي يقمع المتظاهرين، بل لأن ليبيا كانت دولة نفطية مستقلة، راكمت احتياطياً مالياً ضخماً، وبدأت تفكر في سياسات نفطية ونقدية خارج السيطرة الغربية.

هذه الحالات الثلاث تكمل الحالة الإيرانية. فإيران، مثل العراق وفنزويلا وليبيا، تجمع بين موارد طاقة ضخمة، وموقع جيوسياسي مؤثر، وإرادة سياسية ترفض الاندماج في نظام الهيمنة الأمريكية. 

اليوم، تتكرر القصة ذاتها مع إيران، وإن بدا التكرار أكثر فجاجة وأقل حرصاً على الإقناع. مرة يكون السبب هو البرنامج النووي، ومرة «سوء معاملة المتظاهرين»، ومرة البرنامج الصاروخي، ثم نعود إلى البرنامج النووي الذي قيل سابقاً في يونيو 2025 إنه «دُمّر».

عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية بسبب تدهور الأوضاع المعيشية في إيران، بفعل حصار اقتصادي خانق، بدا واضحاً أن واشنطن رأت فيها فرصة. 

ارتفع فجأة منسوب الخطاب الأخلاقي، وخرجت التصريحات الداعمة «لحقوق الشعب الإيراني»، وكأن من يفرض العقوبات هو نفسه من يندد بآثارها. لكن حين فشل الرهان على الانفجار الداخلي، وانكشفت حدود اللعب على التناقضات الاجتماعية، تراجع هذا الخطاب، وعادت اللغة الخشنة، ممثلة في تحريك حاملات الطائرات والأساطيل، والتهديد بـ"الضربة القادمة". وبين هذا وذاك، طُرح البرنامج الصاروخي بوصفه سبباً إضافياً للتصعيد. 

والمفارقة هنا أن المطلوب، صراحة أو ضمناً، هو تجريد إيران من أي قدرة على الردع، أي تحويلها إلى دولة عارية إستراتيجياً، مكشوفة الإرادة والحدود. وهذا في حد ذاته اعتراف بأن المشكلة ليست في سلاح بعينه، بل في مبدأ امتلاك السلاح. لكن لفهم الصورة كاملة بشأن الحرب على إيران، لا بد من إزاحة الستار عن جوهر الصراع، وهو في تقديري "النفط". 

إيران تجلس فوق واحد من أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، وتقف عند أحد أهم شرايين النفط الدولية، مضيق هرمز. غير أن الخطر، من المنظور الأمريكي، لا يكمن في النفط أو الغاز الطبيعي، بل فيمن يملكهما، وكيف يقرر أن يستخدمهما، ومع من يتحالف.

ويتزايد الأمر وضوحاً عندما نفهم الجغرافيا. فإيران ليست دولة على هامش الخريطة، بل في قلبها. فهي تمتد من الخليج إلى بحر قزوين، وتجاور آسيا الوسطى، وتشكل عقدة اتصال في مشاريع دولية كبرى، على رأسها مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، الرامية لإعادة رسم طرق التجارة العالمية. ومن هنا، تصبح إيران عقبة جيوسياسية، لا مجرد خصم سياسي.

وإلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل العامل الإسرائيلي في هذا السياق. فإسرائيل ترى في إيران تهديداً إستراتيجياً طويل المدى يمسّ توازن القوة في الإقليم. ولذلك، فإن إبقاء طهران في دائرة الاستهداف الدائم يمثل مصلحة إسرائيلية ثابتة، تنتقل بسلاسة من إدارة أمريكية إلى أخرى.

في النهاية، حين تتعدد الأسباب وتتناقض، فاعلم أن السبب الحقيقي غير معلن. وحين تبحث عنه، ستجده حيث كان دائماً. في النفط وحين يقترن بالاستقلال، وفي دولة قررت أن تقول «لا» في زمن يُكافَأ فيه الصمت.

* رئيس وحدة العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة