رغم أرقامه القياسية.. فإن الحقائق تؤكد أنه ليس مجرد لاعب يسجل أهدافا ويفوز بألقاب
موضوعات مقترحة
يحتل المركز الثامن عالميا في قائمة "صنداي تايمز للعطاء" لأنه يتبرع بـ6% من قيمة راتبه السنوي للجمعيات الخيرية
قصة صعوده جعلته "براند" من لحم ودم .. والجارديان تعتبره «بطلاً عالمياً وجسراً يربط بين الثقافات ومثالاً يحتذى به»
لا يشبه الأوروبيين الذين تمت "صناعتهم" داخل الأكاديميات .. لكنه يشبه البرازيليين و موهبة "لعب الشوارع"
عندما ظهر محمد صلاح في ملاعب أوروبا منذ نحو 14 عاماً كان الكل يتوقع له مستقبلاً مبهراً في كرة القدم .. لكن في حدود أنه لاعب موهوب سيسجل أهدافاً رائعة ويفوز ببطولات وربما بجوائز فردية، ثم مر بفترات متقلبة بين النجاح والتعثر حتى وصل لمحطة ليفربول قبل 8 سنوات .. وهنا تحول إلى "ظاهرة" تتجاوز مساحة الملعب ليصبح نموذجاً وصاحب رسائل إيجابية لملايين البشر في كل أنحاء العالم .
ولكن .. محمد صلاح يظل حسب الوصف المباشر "لاعب كرة قدم مشهور"، وهذا الوصف يشاركه فيه آلاف اللاعبين مع الفارق النسبي، وبالتالي السؤال : هل هذا فقط ما يبرر اهتمام كل وسائل الإعلام العالمية .. ومئات الملايين من البشر حول العالم عبر صفحات التواصل الاجتماعي .. بتصريحات قالها لعدة دقائق لمذيع محطة نرويجية مغمورة يشكو فيها من عدم مشاركته في مباراة واحدة أساسيا مع فريقه؟ الحقيقة نعم .. هي مباراة واحدة فقط لأنه في المباريات الثلاث الأخرى هذا الموسم التي بدأها احتياطياً كان يشارك في الشوط الثاني ولم يعلن عن غضبه بعدها، تماماً كما حدث في مرات نادرة خلال مواسمه السابقة مع الفريق، وبالطبع لن نعيد الحديث عن الأزمة وردود الأفعال عليها .. ولن نتكلم أيضاً عن مصير محمد صلاح مع ناديه والذي يبدو غير واضح حتى وقت كتابة هذه السطور، كذلك تعدى الأمر أن نقول من كان على حق، كذلك مشوار صلاح الحالي مع منتخب مصر في أمم إفريقيا ليس في سياق موضوعنا.. لكننا سنحاول تفسير نقطة واحدة، فرغم ادعاءات البعض بأن "أسطورته انتهت" ومشواره في طريقه للنهاية وأرقامه متراجعة ومستواه هبط كثيراً مع تقدمه في العمر .. لكن مجرد كلمات غاضبة من صلاح شغلت ملايين البشر حول العالم لعدة أيام وعلى رأسهم مشاهير نجوم اللعبة نفسها.. فلماذا؟!
بداية القصة
أغنية صغيرة منذ سنوات تناقلتها وسائل الإعلام لأطفال إنجليز يرددون أغنية "مو صلاح" بحماس شديد .. ومن بينهم طفل لم يكمل عاماً واحداً بمجرد أن تردد أمه اسم "صلاح" يتراقص ويضحك .. ماذا يفهم هذا الطفل في كرة القدم ؟! هل يعرف صلاح .. أم أن الاسم أصبح مصدراً للسعادة له؟ والقصة بدأت يوم 15 يونيو عام 1992 في قرية "نجريج" التابعة لمدينة بسيون بمحافظة الغربية حين ولد محمد صلاح، وكانت نشأته دينية كأغلب أبناء قريته.. فهو من أسرة متوسطة الحال، حيث يعمل والده تاجرا .. وله شقيق واحد أصغر منه اسمه ناصر وشقيقة متزوجة ومقيمة مع اسرتها فى السعودية، وجاءت الفرصة له لكي ينتقل إلى فرع نادي المقاولون في مدينة طنطا إلى المقر الرئيسي للنادي وعمره 14 عاماً، وكان يضطر إلى الخروج من منزله في بسيون في الساعة التاسعة صباحا للذهاب للقاهرة من أجل التدريبات والمباريات ثم العودة في التاسعة مساء.. يقول صلاح "كنت أركب 5 أوتوبيسات لأصل للقاهرة، والنادي كان يمنحني 120 جنيها فى الشهر ومواصلاتي فى اليوم الواحد كانت تتكلف 25 جنيهاً"، وقتها كان صلاح انتهى من الشهادة الإعدادية ويستعد للثانوية العامة، ولكنه لم يستطع الانتظام بها بسبب غيابه فى القاهرة وسفره المتكرر، فسحب والده ورقة وقدم له فى مدرسة صنايع، وفي 2009 تم تحرير أول عقد احتراف له مقابل 700 جنيه شهرياً بشرط أن يكون موجودا فى صفوف الفريق الاول ولا ينخفض مستواه فيهبط الى صفوف الناشئين مرة اخرى، وتأزم موقف المقاولون العرب فى الدورى موسم 2009 ـ 2010 .. وشارك صلاح لأول مرة في الدوري الممتاز أمام المنصورة يوم 3 مايو 2010 وكان عمره 18 عاماً، وبعدما انتهت المباراة بالتعادل .. ذهب صلاح فى اليوم التالى ليجد مظروفا به مكافأة التعادل في انتظاره وكانت 3 آلاف جنيه، وهو أكبر مبلغ كسبه مما شجعه علي مواصلة التألق حيث سجل أول أهدافه في 25 ديسمبر 2010 أمام النادي الأهلي في لقاء انتهى بالتعادل 1-1 .. ولم ينضم صلاح إلى صفوف أي من قطبي الكرة المصرية الأهلي والزمالك بسبب عدم اقتناع المسئولين بالناديين بقدراته، فرد عليهم بالانتقال إلى فريق بازل السويسري عام 2012 مقابل 2 مليون يورو علاوة على 20% من قيمة انتقاله الى اى ناد آخر .. ووصل إجمالي ما تقاضاه المقاولون من انتقالات صلاح حتي الآن نحو 60 مليون جنيه، وسريعًا نجح في غزو قلوب مشجعي الكرة المصرية من خلال تحقيق حلم التأهل لأولمبياد لندن 2012، ثم انتقل من بازل إلى فريق تشيلسي الإنجليزي مقابل 11 مليون استرليني لكنه لم يشارك بشكل أساسي مع البلوز سوى في مباريات قليلة قبل أن يعيره النادي اللندنى إلى نادي فيورنتينا الإيطالي ومنه إلى روما، والذي قرر ضم صلاح نهائيا مقابل 15 مليون استرليني، ثم أصبح محمد صلاح أغلى لاعب مصرى وعربى وإفريقى فى التاريخ بعد انتقاله إلى ليفربول الإنجليزى مقابل 42 مليون يورو، وخلال 8 سنوات فاز مع ليفربول بكل شيء .. دوري أبطال أوروبا 2019 والدوري الإنجليزي مرتين في 2020 و2025 وكأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبي وكأس الاتحاد الإنجليزي وكأس رابطة الأندية الإنجليزية مرتين والدرع الخيرية، وحصد جائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي 3 مرات وجائزة أفضل لاعب في إنجلترا (اتحاد كتاب كرة القدم) 4 مرات وأفضل لاعب أفريقي مرتين ولاعب الموسم في الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين 2018، 2025 وجائزة لوريوس للإلهام الرياضي وجائزة القدم الذهبية وجائزة بوشكاش لأفضل هدف، بجانب الحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي 4 مرات وجائزة أفضل صانع أهداف مرتين، وحتى الآن ورغم أنه جناح وليس مهاجماً .. سجل 327 هدفاً وصنع 123 هدفاً طوال 672 مباراة لعبها مع مختلف الأندية والمنتخبات حتي الان .. اي ساهم في 460 هدفاً ! وحطم كل الأرقام القياسية .. ومع منتخب مصر قاده للصعود للمونديال مرتين، بجانب خسارة نهائي أمم افريقيا مرتين في 2014 و2021.
حالة خاصة
طبيعي أن الأرقام السابقة كفيلة بأن تصنع أسطورة .. لكنها لا تفسر أيضاً "الحالة الاستثنائية" لصلاح الذي تحول بمرور الوقت إلى ظاهرة صعب القياس عليها، وسواء تم تسويقه بشكل عفوي أو أحياناً عبر تخطيط دقيق من وكيل أعمال "شاطر" .. فقد أصبحت قصة صعوده مثار إعجاب الكثيرين، ببساطة هو "براند" من لحم ودم، مثل كثيرين تظل الأضواء تغازلهم باعتبارهم "أيقونات" حتى بعد الاعتزال، كما أن المصريين يعشقون صناعة الأبطال الشعبيين.. ولذلك أصبح خلال سنوات في نظرهم غير قابل النقد أو الهجوم عليه حتى ولو أخطأ التقدير أحياناً، فهو «بطل عالمى، وجسر يربط بين الثقافات، ومثال يحتذى به للأطفال والشباب»، وهذا ليس وصفنا بل هو وصف صحيفة الجارديان البريطانية لمحمد صلاح، وهو يحرص دائما على تقديم نفسه كلاعب موهوب يبذل جهدا، وليس فقط موهبة، وهو ما يجعله قدوة لكثير من الشباب، فهو لم يصل للنجومية والعالمية فقط بموهبته، لكنه يبذل جهدا مضاعفا ويحرص على لياقته البدنية، ويلتزم بتعليمات مدربيه وكل المختصين والفنيين فى نظام طعامه وشرابه وتدربيه، ولعل هذا هو ما يجعله نموذجا قريبا من التحقق، وحتى عندما يتحدث عن مصادر ثقافته وقراءاته يذكر ما يفعله فى الواقع، وليس ما يريده الآخرون أن يقوله، ولهذا مهما كانت بساطة ما يقرأه فهو كافٍ ليضاعف من إقبال الناس عليه، حتى لو كان مجرد نصائح فى التنمية البشرية، ولذلك عن الشيء الذي يطالب الناس بأن تتذكره بها، يقول: "منحتهم الأمل للقيام بالشيء الذي يرغبون في تحقيقه ولديهم القدرة على ذلك"، وفي تقرير لشبكة «lentedesportiva» العالمية، اعتبرت محمد صلاح نجم منتخب مصر ونادى ليفربول الإنجليزى ضمن قائمة أكثر اللاعبين تأثيرا على مدار التاريخ فى عالم كرة القدم، وأنه نجح فى تغيير النظرة السائدة عن اللاعبين المسلمين والعرب فى أوروبا، وأن تواضع النجم المصرى وثبات مستواه جعلاه قدوة لدى جماهير ليفربول، وهنا نتذكر حكاية "بين بيرد" وهو مشجع لنادي نوتنجهام فورست الإنجليزي، فقد كتب في مقال نشرته صحيفة جارديان البريطانية "قديماً كنت عادة ما أكون في الحانات قبل المباريات وأشارك فى المراهنات، كانت لدي كراهية للمسلمين.. فهم لم يتمكنوا من الاندماج في المجتمع"، ثم روى أن أستاذه اقترح عليه إعداد بحث عن الأغنية التي ترددها جماهير ليفربول لمحمد صلاح، ومع الوقت راوده تساؤل عن شخصية محمد صلاح نفسها، وأشار إلي مقطع من الأغنية استوقفه ونصه : "إذا سجل المزيد من الأهداف، سأصبح مسلما مثله"، معتبرا أن المقطع دخل إلى قلبه، كما أشار إلى أن دراسته بجامعة ليدز منحته الفرصة للقاء الكثير من الطلاب المسلمين وصفهم بأنهم "ألطف من التقيت، والمفاهيم التي كانت لدي حول الدول العربية تبدلت بالكامل"، واعتبر بيرد أن صلاح نموذجا يحتذي به.
ظاهرة عالمية
وطرح محمد صلاح نموذجًا جديدًا لدور الأفراد المشاهير ليس في مصر فقط بل في المنطقة العربية كلها، وتأثيراتهم في بناء صورة إيجابية لبلدانهم في الخارج، خاصة مع نجاح صلاح عملياً من خلال نجاحه وسلوكه - وبدون أن يتكلم في الأمر بشكل مباشر - في تغيير الصور النمطية السلبية للعرب والمسلمين لدى المجتمعات الغربية، وبالتالي مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب، وأعتمد محمد صلاح في تأسيس نموذجه كقوة ناعمة مصرية وعربية علي إنجازاته الفردية كلاعب كرة قدم موهوب، ولأول مرة يري المصريون والعرب لاعباً منهم ضمن أفضل لاعبي العالم، بل ويحطم كل الأرقام القياسية المتاحة في الدوري الإنجليزي الأصعب والأقوى في العالم، أيضاً سلوكيات صلاح لعبت دوراً حاسماً في هذه "الظاهرة" .. فهو معروف بأخلاقه العالية وتواضعه خاصة مع الجمهور، كما أنه لم يفتعل مشكلة واحدة طوال مشواره، تزوج صغيراً من بلده وابنة قريته، وعلى الرغم من نجوميته والعالمية التي وصل إليها، لكنه حريص على الوجود في قريته مسقط رأسه دائما، وعندما يتابع الغربيون بين هذه الشخصية الرائعة .. والمشهد الذي تكرر أكثر 250 مرة عندما يسجل هدفاً ثم يسجد لله شاكراً، طبيعي أن يتم الربط الديني في أذهانهم، بجانب اختيار اسم "مكة" لابنته والتزام زوجته بارتداء الحجاب، يظل في المنزل معظم الأوقات ولا يحب الخروج ليلاً ، خاصة وأن وجود صلاح في أوروبا تزامن مع ظهور اليمين المتطرف في عدة دول أوروبية، بجانب العمليات الإرهابية التي كان يقوم بها داعش والقاعدة وبالتالي تصاعد ما يمكن وصفها بـ "حملات الكراهية" سواء للأجانب بصفة عامة أو للمسلمين والعرب علي وجه الخصوص، وحتي عندما سبق وتعرض لهتافات عنصرية خلال بعض مباريات فريقه أمام وست هام يونايتد وتشيلسي ونادته بعض الجماهير بـ"الإرهابي".. لم يرد .. واكتفى بابتسامته الهادئة وتسجيله هدفاً في مرمى فريقهما، وانتفض مسئولو الناديين بعد ذلك وشجبا ما حدث وتم منع أية جماهير تجاوزت ضد صلاح من حضور المباريات.
وفي دراسة أجرتها جامعة "ستانفورد" الأمريكية حول تأثير انضمام محمد صلاح نجم منتخب مصر لنادى ليفربول الإنجليزي منذ 2017 على العداء تجاه المسلمين فى إنجلترا، أظهرت أن صلاح لعب دوراً كبيراً فى انخفاض معدل جرائم العنف والكراهية في إنجلترا ضد المسلمين، وقالت الدراسة إن مقاطعة "ميرسيسايد" التى ينتمي اليها لنادى ليفربول شهدت انخفاضاً بلغ 19% فى معدل جرائم العنف والكراهية ضد المسلمين منذ ارتداء محمد صلاح قميص نادى ليفربول، فى الوقت الذي لم تتغير فيه معدلات الجرائم الأخرى كالسرقة، وتغريدات جماهير نادى ليفربول عبر "تويتر" التي كانت تحمل عبارات كراهية ضد المسلمين، انخفضت هي الأخرى بنسبة بلغت 50% عكس مدن إنجليزية أخرى حافظت على نفس النسب، وذكرت صحيفة "ذا صن" البريطانية أن انتشار فيديو أغنية مشجعي اللاعب المصري محمد صلاح المحترف في فريق ليفربول الإنجليزي ساعد على تفكيك التحيز العنصري في عالم كرة القدم .
أيضاً لا يمكن نسيان الدور الطاغي الذي يقوم به صلاح بأفكاره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فصلاح يمكنه كسب 6 ملايين جنيه إسترليني سنوياً إذا فقط نشر صورة أو إعلاناً واحداً كل شهر علي إنستجرام، وذلك بعدما وصل متابعيه لأكثر من 66 مليون شخص حول العالم، بينما النشر الأسبوعي سيرتفع هذا الرقم إلى 18 مليون إسترليني، ومنذ سنوات بعدما نشر صور إجازته التي قضاها بالغردقة منذ 3 أعوام، وشاهدها نحو 60 مليون شخص علي فيسبوك وإنستجرام، صرح عضو غرفة المنشآت الفندقية بالبحر الأحمر أن نسبة الإشغال بفنادق الغردقة قد زادت بشكل كبير لتتجاوز الـ 70%، والفنادق تلقت عشرات الاتصالات التي تستفسر عن أسعار الحجز بالفنادق وأفضل الشواطئ لقضاء اجازتهم بها، ولتأثيره الطاغي وجدناه الرياضي الوحيد الذي يتم اختياره في حفل توزيع جوائز منظمة البيئة العالمية، ووقف بجانب الأمير ويليام دوق كامبريدج تقديرا لدوره المهم والملهم للشباب في الشرق الأوسط، وللسبب السابق تم اختيار صلاح ضمن أكثر 100 شخصية رياضية مؤثرة في العالم حسب قائمة مجلة تايم الأمريكية .
وإذا كنا تحدثنا كثيراً عن تأثير صلاح في بلده والذي تجاوز الحدود بداية من كونه "نموذجاً" للرياضي الحقيقي الذي يقاس عليه كل شيء ووصولاً لصوره المنتشرة علي واجهات البيوت وجرافيتي الحوائط، فماذا عن تأثير صلاح علي البشر العاديين في كل أنحاء العالم؟! فمنذ سنوات كان هناك شاب فلسطيني اسمه أسامة سبيته من قطاع غزة ظل 4 ساعات يرسم صورة "مو" على الرمال بطول ٣٦ مترا .. وكل هدفه أن يراها صلاح وتعجبه ويعرف أن أهل فلسطين يحبوه، كما أشادت وسائل الإعلام الغربية بدعوة صلاح لمايك كيريني المشجع الكفيف لنادي ليفربول للحضور لمقر تدريبات الفريق ومنحه قميصه، وذلك بعدما شاهده في فيديو، وهو يحتفل بهدف سجله بعدما شرحه له ابن عمه، كما أصر صلاح على زيارة لوي وهو طفل من مشجعي ناديه ليفربول بمنزله للاطمئنان عليه بعدما أصيبت أنفه عندما كان يجري مسرعاً وراء سيارة النجم المصري خارج مقر تدريبات الفريق ليحصل علي صورة منه، وكثيرة هي المواقف والتي تبدو بعضها عجيبة فعلاً .. فمثلاً هناك طفل من مشجعي ليفربول منح محمد صلاح هدية عقب إحدي المباريات .. وبعدما فتحها وجدها سجادة صلاة، أو قيام الإنجليزية كيري ساموير بزيارة المعالم الأثرية في مختلف بلدان العالم وهي ترتدي قميص محمد صلاح لأنه حسب قولها " مصدر إلهام للجميع".
لماذا يعشق الناس محمد صلاح ؟
العجيب أن صلاح الذي لم يحصل على شهادة عليا حتى الآن .. لكن بسبب تأثيره الإيجابي وصل لتدريس مسيرته في منهج اللغة الإنجليزية للمرحلتين الإعدادية والثانوية كنموذج رائع للبطل القدوة، وللدكتور محمد المهدى استشاري الطب النفسى مقال حاول فيه الإجابة عن السؤال: لماذا يعشق الناس محمد صلاح؟ فما سر هذا اللاعب الذي تملأ صوره الشوارع والميادين والطرق وشاشات التليفزيون، فهل مثلاً أن محمد صلاح في ملامحه يشبه معظم شباب مصر العاديين، أم نظرة عينيه اليقظة والمنتبهة والطموحة والجادة والمصممة والطيبة مع ابتسامته الهادئة، أم هل لأنه رغم نجاحه يبدو كإنسان عادي .. بمعني رغم التزامه وانضباطه وجديته إلا أنه لم يحرم نفسه من إطلاق شعر رأسه وشعر لحيته في مظهر شبابي أقرب لـ "الروشنة" كما يظهر في إعلانات عالمية مع نجمات شهيرات، وحسب كلام د. المهدي فإن الموهبة وحدها لا تصنع النجاح مهما كانت قوتها إذ لابد من ذكاء عقلي ووجداني واجتماعي لإدارة الموهبة والحفاظ على استمرارها وتوهجها ، وهذا ما يتبدى في حالة محمد صلاح، ورغم أنه لم يستطع مواصلة مشواره في التعليم الجامعي بسبب عشقه لكرة القدم .. لكنه يقرأ كثيراً ويستمع لغيره، كما لم يستسلم أمام إغراءات الشهرة والنجومية، بجانب قدرته على الثبات والتوجه مباشرة نحو أهدافه في تحقيق أعلى مستوى من الأداء يتجاوز به كل المستويات المعروفة محليا وعالميا، فيبدو أن سقف طموحه أعلى بكثير مما يتوقعه الناس . ورغم كثرة معجبيه وأسفاره .. لم تلتقط له أي صورة في وضع غير مناسب، كما إنه يعرف قيمة الوقت جيداً .. وكذلك يثق في نفسه لأبعد الحدود، يهتم بكل تفاصيل حالته الصحية فلا يسهر ولا يدخن ولا يتعاطى أي شيء يؤثر في سلامته النفسية والجسدية، ولذلك ببساطة الجميع يحبه لأنهم يشعرون أنه خرج من بينهم وشق طريقه بمجهوده الشخصي تماما، ولم يستفد من أي توصية أو أي وساطة أو أي مساعدة .. فقط موهبته المتفردة ومجهوده الفائق، كما أن لغة الجسد عند محمد صلاح تعكس الكثير عن شخصيته وعبقريته، ففي أكثر صوره تراه مرفوع الرأس متطلعا إلى الأمام وإلى أعلى .. أو تراه وكأنه يطير .. أو تراه فاتحا ذراعيه للنجاح ومبتسما في رضاء.
القوة الناعمة
ما يفعله محمد صلاح من تأثير وجاذبية على مستوى الملايين من متابعي كرة القدم في العالم، أقوى من ملايين المحاضرات والندوات والشعارات وحملات الدعاية، خاصة في زمن لم تعد الرياضة فقط مجرد تسلية أو تنافس أو حتي وسيلة للكسب الاقتصادي، بل تحولت إلي عنصر أساسي من عناصر قوة الدول ونفوذها، وكما قال مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس باسكال بونيفاس: "عندما يتمكن رياضي بهذا المستوى من ان يخترق الجدار الاعلامي ويصبح وجها دوليا، فإن هذا ينعكس بالضرورة على بلده الاصلي"، ولو سألت ملايين المصريين منذ سنوات : ما مصدر سعادتكم ؟! لربما أجمع كثيرون علي كرة القدم .. ومعظمهم كانوا سيركزون علي الأهلي والزمالك والمنتخب .. لكن الآن الوضع اختلف .. وأصبح اسم محمد صلاح حاضراً، ومن أجله كانوا يشجعون فريقاً اسمه "بازل" ربما لا يعرفون عن تاريخه شيئاً .. أو يهتفون لفوز فريق مثل "فيورنتينا" أصلاً لا يحقق بطولات، وانتقلوا معه من تشجيع تشيلسي إلي تشجيع منافس له وهو "ليفربول"، ومن عشقهم لصلاح أصبحوا خبراء في نتائج كل فرقه ويتابعون لاعبيه، ولو شاهدنا مثلاً في حملة "أنت أقوي" التي شارك فيها محمد صلاح ضمن جهود الدولة لمكافحة المخدرات، فحسب وزارة التضامن الاجتماعي فإن ظهور صلاح في الحملة تسبب في زيادة كبيرة وصلت لـ4 مرات في عدد المكالمات للجهاز المسئول عن المساعدة على الإقلاع عن المخدرات، والمتحدث باسم وزارة الخارجية منذ سنوات اعتبره "خير سفير لمصر"، فقد أصبح هو المفهوم الحديث للقوي الناعمة لمصر، نور الشربيني بطلة العالم في الإسكواش تقول إن مثلها الأعلي محمد صلاح .. وفي مدارس ليفربول صلاح كانت زيارته هي المكافأة التي يقدموها للمتفوقين .. وهو بكل تواضع يلعب معهم ويحتضنهم، سر عشق العالم لصلاح ليس فقط مهاراته .. التفاصيل البسيطة توضح لك كيف استوطن قلوب 100 مليون مصري .. أغلي نوع بلح في رمضان أصبح اسمه "محمد صلاح" .. والفانوس هو صورة " محمد صلاح "، وسبحان مغير الأحوال، الزمالك رفض ضمه .. ثم تمر 5 سنوات فقط ويتم إطلاق اسمه على مجمع حمامات السباحة بالنادى، وهناك جانب مهم أيضاً له علاقة بتبرعاته الخيرية .. فمنذ سنوات يرصد مبلغًا ماليًا شهرياً لإعانة عشرات العائلات الفقيرة في قريته، كما تبرع بملايين الجنيهات لصندوق تحيا مصر ومستشفى سرطان الأطفال ٥٧٣٥٧ وقام ببناء معهد أزهرى وتطوير إنشاءات وفصول مدرسته الابتدائية، كما بنى مسجدًا وأنشأ وحدة حضانات ووحدة تنفس صناعى ووحدة غسيل كلوى، وتبرع بمبلغ كبير لجمعية قدامى اللاعبين ومستشفيات وملاجئ مدينة طنطا وتكفل بزواج العشرات من الشباب وأنشأ مؤسسة محمد صلاح الخيرية لمساعدة الفقراء وصندوقًا مخصصًا للأيتام والأرامل.. هذا فقط ما نعرفه بينما يؤكد كثيرون أن هناك الكثير يرفض هو وأسرته الإعلان عنه، صلاح لعب منذ بدايته مع لاعبين ينتمون لأكثر من 30 جنسية يتكلمون بلغات مختلفة ولديهم ثقافات وسلوكيات متنوعة.. أليس غريباً أنهم جميعاً وبلا استثناء أجمعوا علي كونه لاعباً رائعاً.. وإنساناً عظيماً، خجولا وطيبا وتدينه بلا إدعاء ويظهر في كل تفاصيل حياته، وسبق واحتل محمد صلاح المركز الثامن علي مستوي لاعبي العالم في قائمة "صنداي تايمز للعطاء"، بعدما تبرع بـ 6 % من قيمة راتبه السنوي، للجمعيات الخيرية.
من كان يتخيل؟
منذ 10 سنوات فقط لو أخبرت بعض المصريين الجالسين على مقهي يتابعون الدوري الإنجليزي بأن هناك لاعباً سيكتب اسمه خلال فترة بسيطة ضمن أساطير الدوري الأقوى عالمياً .. ربما سيعتقدون أنك تهذي، ومنذ أيام نشرت الجارديان تقريراً عنوانه لافتاً «أزمة صلاح.. أزمة الأمة المصرية» تناولت اللاعب باعتباره رمزا للنجاح وللكفاح، وبطلا مصريا غزا أوروبا وناطح الإنجليز فى تفوقهم الكروى، وهو حقق ذلك بالمهارة والتفرد والإبداع، وكم كان محبوبا حتى إن جمهور ليفربول غنى له ووصفه بالملك المصرى. وقد رصد التقرير رد فعل المصريين على أزمة محمد صلاح الأخيرة، وكيف أنهم تعاملوا معها بالمساندة الكاملة للنجم الذهبى، وهو يستحق ذلك لشخصيته ولإرثه الكروى ويبرران تصريحاته النارية، وبالتالي مكانته تجعل كل تحركاته محط أنظار الرأى العام. وهو ما يبرر تصريحات أحد مسئولي موقع رياضي شهير بأن من 60 إلي 70 % من محتوى كرة القدم المصرية خلال السنوات الخمس الماضية كان يدور حول اسم محمد صلاح، وبينما يشكو أهالي بعض الشباب في مصر بسبب تقليد أولادهم في ملابسهم لكل ما يأتي من الغرب، فجأة أصبح هناك شاب مصري اسمه محمد صلاح يقلده الملايين حول العالم في شكل ذقنه أو شعره أو ملابسه التي يظهر بها في طريقه لملعب التدريب، فقد صنع حالة خاصة بالتزامه داخل وخارج الملعب .. 8 سنوات كاملة لم يحصل فيها علي حالة طرد واحدة .. بل وعدد انذارات محدود للغاية، وحتي رغم احتفالهم بالكريسماس في منزلهم وحياتهم العصرية في أوروبا .. لكن مشهد أسرته الشرقية يظل في نظر كثيرين هناك "استثناء" في الوقت الذي يعيش فيه لاعبون مسلمون مشاهير في أوروبا حياتهم بشكل مختلف، وداخل الملعب وبشهادة مدربيه .. صلاح ليس لاعب كرة يشبه الأوربيين الذين تمت "صناعتهم" داخل الأكاديميات وفرق الناشئين بأكبر الأندية وفق نظام محدد، لكنه يشبه البرازيليين و "لعب الشوارع" العفوي المهاري، وكان تأثيره كبيراً في المجتمع البريطاني بأخلاقه ومهاراته، ولذلك طبيعي أن يصنع له متحف مدام توسو تمثالاً من الشمع بجانب مشاهير العالم، أو عندما يذهب مع فريقه في معسكر تدريبي للولايات المتحدة يجد في انتظاره صورة جدارية كبيرة بميدان التايمز سكوير وبجانبها عبارة تقول "على الصخر تصنع الأحلام".
الأموال
يعتقد كثيرون أن محمد صلاح جدد عقده في ليفربول فقط لأنه أصبح اللاعب الأعلي أجراً في النادي، فهو يحصل علي نحو 23 مليون دولار سنوياً قبل الضرائب، وفي دراسة نشرتها كلية "هارفارد" للأعمال، رأت أنه بالنظر إلى حقوق الصور والأنشطة التجارية، يمكن لصلاح أن يكسب حوالي مليون يورو أسبوعيا، ومع الأخذ في الاعتبار كل ما سبق بجانب عقود الرعاية والإعلانات، فمن المقدر أن يتراوح دخله السنوي بين 55 إلى 63 مليون يورو، لكن هناك حقيقتين لابد من التوقف عندهما .. الأولى أن صلاح رفض أضعاف هذا المبلغ حينما قرر تجديد تعاقده مع ليفربول وعدم الاستجابة لاغراءات أندية الدوري السعودي والتي كانت أقل عروضها تصل إلى 100 مليون دولار سنوياً، أما الثانية فهي أن ليفربول لا ينظر لصلاح فقط باعتباره "أسطورة" وصاحب أرقام قياسية، بل أيضاً كأصل تجاري واستثماري حيوي لا يمكن التفريط فيه بسهولة، فهو ليس مجرد نجم كروي، بل تحول إلى علامة تجارية عالمية، ولديه عقود دعائية مع علامات تجارية عالمية تدر عليه الملايين .. وأيضاً على ناديه، فهو لاعب مؤثر في سوق الإعلانات الرياضية عالمياً، وعلى سبيل المثال .. استبعاد صلاح من مواجهة إنتر ميلان في دوري الأبطال بسبب تصريحاته الغاضبة، هذا الموقف ليس رياضياً فقط، بل اقتصادياً بامتياز؛ فرحيل صلاح يعني: خسارة جزء كبير من عقود الرعاية المرتبطة باسمه، بجانب تراجع في حقوق البث التليفزيوني، خاصة في الشرق الأوسط حيث يتمتع اللاعب بشعبية هائلة، وانخفاض في مبيعات قمصان النادي، إذ يعد صلاح أحد أكثر اللاعبين بيعاً للمنتجات الرسمية، لذلك في حال قرر صلاح الرحيل إلى دوري آخر، فإن الصفقة لن تكون مجرد انتقال رياضي، بل استثمار ضخم: عقود البث والرعاية ستقفز بشكل كبير في السوق الجديد، القيمة التجارية للنادي المستفيد سترتفع بفضل قاعدة جماهيرية عالمية، تأثير على الدوري الإنجليزي الذي قد يخسر أحد أبرز نجومه في التسويق العالمي، فقد أصبحت كرة القدم صناعة بمليارات الدولارات، وتتحكم الأرقام في مصير النجوم أكثر من الأهداف.
ومن قال إنه محظوظ؟!
أخيراً، لمن يقولون أن صلاح "لاعب محظوظ"، فقط نهديهم هذه الحقائق .. خلال ٨ سنين كان اسمه ضمن أفضل ٣ لاعبين أفارقة .. لكنه فاز بجائزة الأفضل مرتين فقط رغم أنه كان يستحقها في سنوات أخرى، صعد لنهائيين في أمم إفريقيا مع منتخب مصر وخسرهما .. بجانب الخروج من دور الـ16 في بطولة كانت قريبة جداً ونظمتها مصر في 2019.. ومع الجيل الذهبي لولا خسارة غانا التاريخية لكان ظهر مبكرا في مونديال 2014، وفي كأس العالم 2018 غاب بسبب الإصابة عن المباراة الأولى وعندما عاد كان منتخب مصر خرج فعلياً من الدور الأول، وبسبب ركلات الترجيح أمام السنغال ضاعت فرصة اللعب في مونديال، وظهر اسمه ٤ مرات ضمن قائمة الافضل عالميا ولكنه لم يقترب من أول ٣ مراكز حتي في الموسم الماضي حينما حقق أرقاماً اعجازية مع ناديه ليفربول، تخيلوا أنه خسر 3 ألقاب في الدوري الإنجليزي في ظروف غريبة .. الأول مع تشيلسي في الموسم الذي خرج فيه للإعارة مع فيورنتينا ولم يحتسب له، وخسر لقبين مع ليفربول في الأسبوع الأخير.. منهم مرة جمع خلالها فريقه ٩٧ نقطة وفي الثانية جمع خلالها 92 نقطة! ورغم فوزه بلقب دوري أبطال أوروبا .. لكنه خسر النهائي مرتين وأمام فريق واحد وهو ريال مدريد .. في أحدهما خرج مصاباً في الوقت الذي كان فيه فريقه هو الأفضل، وفي الثانية واجهه سوء حظ غريب وأضاع فرصاً عديدة وخسر ليفربول بهدف، وحتي في الموسم الماضي ورغم أرقامه الكبيرة .. فقط في الأمتار الأخيرة ضاعت منه جائزة الحذاء الذهبي التي ذهبت للفرنسي مبابي.. ومع فريقه سبق وخسر نهائي الدرع الخيرية وكأس الإتحاد، تخيلوا لو كان صلاح "محظوظاً" وحقق كل ما سبق .. أين كان سيصل بمكانته في تاريخ كرة القدم؟