أثار قرار المجلس الأعلى للجامعات، المتضمن ضوابط وأخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لأعضاء هيئة التدريس، حالة من الجدل الواسع داخل الأوساط الأكاديمية، وسط تحذيرات من أساتذة جامعات من أن القرار يمثل تقييدًا غير مسبوق للحرية الأكاديمية ويمس جوهر دور الأستاذ الجامعي كمثقف وفاعل مجتمعي.
موضوعات مقترحة
حظر إنشاء حسابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي
وحظر المجلس الأعلى للجامعات إنشاء أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة لأي حسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم محتوى مرئي أو مسموع أو مكتوب يتعلق بالمقررات الدراسية التي تُدرَّس بالجامعات، حتى وإن كان المحتوى مقدمًا بالمجان، إلا بعد الحصول على موافقة رسمية ومعتمدة من الجامعة.
وجاء هذا القرار ضمن دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي في مصر الذي أطلقه المجلس الأعلى للجامعات، باعتباره أول إطار وطني شامل وموحد يهدف إلى ترسيخ قيم الأمانة العلمية، وضبط الممارسات الأكاديمية، وحوكمة العمل التعليمي والبحثي داخل الجامعات والمؤسسات البحثية المصرية.
ونص الدليل على حظر نشر أي محتوى عبر حسابات التواصل الاجتماعي يتعارض مع سياسات الجامعة أو قواعدها أو آدابها وأخلاقياتها، بما يضمن الحفاظ على القيم الأكاديمية والانضباط المؤسسي.
وأكد المجلس الأعلى للجامعات أن الدليل يهدف إلى حماية حقوق الملكية الفكرية، وضمان جودة العملية التعليمية، وتعزيز الثقة في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، مع توحيد المرجعيات الأخلاقية داخل المجتمع الجامعي المصري.
ويرى عدد من أعضاء هيئة التدريس أن القرار، الصادر في إطار ما سُمي بـ«دليل النزاهة الأكاديمية»، لا يمكن اعتباره مجرد تنظيم إداري، بل يمثل امتدادًا لسلسلة من الإجراءات التي بدأت بقرارات فردية داخل بعض الجامعات خلال عام 2024، وقيدت نشر أي محتوى يخص الشأن الجامعي على مواقع التواصل الاجتماعي دون تحديد واضح لطبيعة هذا المحتوى أو حدوده.
حرية البحث العلمي
ويقول الدكتور وائل كامل، الأستاذ بجامعة حلون، إن أخطر ما في هذه القرارات هو "تحويل حرية التعبير من أصل دستوري إلى استثناء مشروط بموافقة الإدارة"، مشيرًا إلى أن الدستور المصري كفل حرية الفكر والرأي في المادة 65 دون تمييز، وجعل أي تقييد لها مرهونًا بقانون واضح ومحدد، وليس بتعليمات إدارية فضفاضة.
ويضيف "كامل" في تصريحات خاصة ل"بوابة الأهرام"، أن حرية البحث العلمي، التي نصت عليها المادة 23 من الدستور، لا تقتصر على قاعات الدراسة أو المجلات العلمية، بل تشمل حق الأستاذ في نشر المعرفة والمشاركة في النقاش العام، بما في ذلك المنصات الرقمية، معتبرًا أن إخضاع هذا النشاط لرقابة مسبقة يمثل مساسًا مباشرًا برسالة الجامعة.
فيما يرى الدكتور كمال الجندي، أستاذ علم الاجتماع، موضحًا أن التاريخ الأكاديمي العالمي يشهد بأن تقييد الحريات لا يبدأ دائمًا بالمنع الصريح، بل بنصوص عامة تحمل عناوين جذابة مثل "النزاهة" و"السمعة"، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى أدوات رقابية.
ويحذر الجندي من استخدام مصطلحات مثل "الإساءة لسمعة الجامعة" أو "المحتوى غير اللائق"، دون تعريف قانوني دقيق، معتبرًا أن هذه الصياغات تفتح الباب لتأويلات غير محدودة، وتدفع الأساتذة إلى ممارسة رقابة ذاتية خوفًا من المساءلة، وهو ما وصفه بـ"المكارثية الأكاديمية الصامتة".
ويشير أساتذة الجامعة إلى أن القرار يتجاوز حدود التنظيم الوظيفي ليمتد إلى الحياة الخاصة للأستاذ الجامعي، من خلال محاولة الفصل القسري بين صفته الأكاديمية وكونه مواطنًا، مؤكدين أن الأستاذ لا يفقد حقوقه الدستورية بمجرد تعيينه، ولا يتحول إلى "واجهة علاقات عامة" ملزمة بالدفاع الدائم عن الصورة الذهنية للمؤسسة.
ويجمع أساتذة جامعات على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نص القرار وحده، بل في أثره التراكمي على المناخ الجامعي، حيث يتحول الحذر إلى سلوك مهني، والصمت إلى فضيلة، على حساب النقاش الحر والنقد البناء.