رئيس حكومة العراق.. تطلعات داخلية وضغوط خارجية

2-2-2026 | 14:39

لم تكن نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية كافية لقراءة مشهد مستقر سياسيًا، على الرغم من أنها كانت خطوة بمثابة الوثبة، بعد تاريخ من التحولات والصراعات، وفي ظل التحديات التي تواجهها الدولة في مسار استعادة تموضعها كقوة فاعلة ومؤثرة، ووسط مشهدٍ سياسي معقد في منطقة الشرق الأوسط. لكن تحققت المفاجأة ونجح الاستحقاق الدستوري والسباق الانتخابي نجاحًا مشمولًا بالانضباط والهدوء النسبي، في الوقت الذي أشارت فيه أغلب التقديرات إلى سيناريو الفشل، لكن المسار الانتخابي خالف أغلب التوقعات كما رأينا.

وعلى الرغم من تهيئة المناخ السياسي العام من قبل حكومة محمد شياع السوداني التي حققت إنجازات ملموسة في العديد من الملفات على المستوى الداخلي والخارجي، وبعد نجاح انتخابات البرلمان، يبدو أن هناك بعض العراقيل التي تؤدي إلى إعادة تدوير الأزمات، باستغلال الملفات الأكثر حساسية، وربما للحيلولة دون استكمال الانطلاقة الناجحة التي قطعتها بلاد الرافدين على طريق الاستقرار ومواصلة مخططات التنمية القائمة في الأساس على سد جميع الثغرات السياسية، وخصوصًا ما يتعلق باختيار رئيس للحكومة.

وقد شهدت الأيام الماضية وضمن "الهوجة الترامبية"، تحذيرًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي من اختيار نوري المالكي رئيسًا لوزراء العراق مرة أخرى، ومع أن ترامب كتب منشورًا على منصة تروث سوشيال قال فيه إن العهد السابق للمالكي شهد انزلاق البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة، وأنه حريص على عدم تكرار ذلك بانتخابه مجددًا بسبب سياساته وأيديولوجياته، وهدد ترامب بأن واشنطن في هذه الحالة لن تقدم أي مساعدة للعراق، غير أن الأمر بالنسبة للإدارة الأمريكية أبعد من مصلحة العراق، ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بالملف الإيراني ورؤية المالكي مدعومًا من الدولة التي تدخل دائرة المناوشات الأمريكية بقوة، ولا يزال التهديد بتوجيه ضربة وشيكة لها قائمًا، وقد حركت البنتاجون بالفعل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن من بحر الصين الجنوبي باتجاه الشرق الأوسط، في سياق الاستعدادات لشن عملٍ عسكري، على أهدافٍ إيرانية، في ظل تزايد وتيرة الاحتجاجات الداخلية في البلاد، والتي ذكرها ترامب في أحاديثه ومؤتمراته الصحفية المتتالية ورصده لما تردد عن عمليات قتل المتظاهرين، وكذلك الإشارة الأوضح إلى البرنامج النووي الإيراني والتحسب من استكمال تخصيب اليورانيوم.

وبعد سنوات من الجمود السياسي وعدم الاستقرار، يشهد العراق الآن حراكًا سياسيًا مركّزًا في محاولات حسم منصب رئيس الحكومة، بعد انتخابات البرلمان التي أجريت في الحادي عشر من نوفمبر الماضي بمشاركة بلغت نحو خمسةٍ وستين بالمئة من الناخبين، في مؤشر على عودة المواطنين إلى المشاركة السياسية، وفي هذا المناخ، تصاعد الجدل حول شخصية المرشح الأبرز التي دفعت معظم القوى السياسية إلى إعادة ترتيب تحالفاتها، وسط تدخّلات وتحذيرات خارجية، أبرزها تلك الصادرة عن دونالد ترامب، والذي يمارس حالة من التخبط والوصاية مرت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله وزوجته جوًا خارج البلاد، بعد شن غارات على مناطق متفرقة في فنزويلا، ولاسيما في العاصمة كاراكاس، كاشفًا عن الوجه الاستعماري الأوضح لأمريكا، التي دأبت وسط صراعات متشعبة على تسريع وتيرة العمل لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية لصالحها، ومرورًا بالإصرار على طرح فكرة السيطرة على جرينلاند تلك الجزيرة القطبية التي تهدد ملامح التحالفات مع أوروبا وحلف الناتو، ليبرز على السطح وسط كل هذه الأحداث التصريحات حول رئيس حكومة العراق، وربط دعم واشنطن للعراق في المستقبل بمدى تقليص النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة، كما أُثيرت إمكانية وقف نقل الدولار مقابل النفط العراقي، ما قد يُحدث صدمة اقتصادية في بلد يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط.

وهنا لابد من التعويل على مواقف القوى السياسية العراقية، والتي تتفق مع الرؤية العامة للدولة في عدم السماح بالتدخلات الخارجية في الشأن العراقي الداخلي، حتى لو اتفقت تلك التدخلات مع بعض الرؤى، كما هو الحال مع طرح اسم نوري المالكي لتولي رئاسة الوزراء. متباينة، وحول هذه المواقف نجد الإطار التنسيقي، الكتلة الأكبر في البرلمان والمكونة من أحزاب شيعية بارزة، أعلنت ترشيح المالكي رسميًا لمنصب رئاسة الحكومة.

هذه الخطوة أكدت أن الكتلة لا تعترف بأي "فيتو" خارجي على خياراتها، وتعتبر أن اختيار رئيس الحكومة شأن سيادي خالص للعراقيين. كما أن المالكي نفسه يرفض تحذيرات ترامب، ويؤكد أن الخيارات السياسية العراقية يجب أن تُحترم من دون تدخلات خارجية، وأنه ماضٍ في جهود تشكيل الحكومة بالتعاون مع الإطار التنسيقي، كذلك أصدرت الرئاسة العراقية بيانًا تؤكد من خلاله رفضها القاطع لأي تدخل خارجي في الشئون العراقية، معتبرة أن مثل هذه التصريحات تمس سيادة العراق واستقلالية قراره السياسي. وبالمقابل نرى قطاعات عراقية وبعض القوى الكردية والسنية تظهر قلقًا من اختيار شخصية مثيرة للانقسام مثل المالكي، معتبرين أن هذه الخطوة من شأنها أن تعيد العراق إلى أجواء سياسية شائكة، ويعمّق الانقسامات الطائفية والإقليمية.

وكان ائتلاف "الإعمار والتنمية" بقيادة محمد شياع السوداني قد حصل على أكبر عدد من المقاعد، الأمر الذي منح السوداني النفوذ السياسي اللازم لتشكيل حكومة جديدة، وكان يُنظر إليه على أنه المرشح الأقوى، غير أن نتيجة التحالفات داخل الإطار التنسيقي تسببت في إعادة ترتيب الأوراق، حيث ركزت الكتلة الشيعية على دعم المالكي صاحب العلاقات القوية في الوسط السياسي وداخل أجهزة الدولة، ما يفسر رؤية التحالفات الشيعية له كشخصية قادرة على إدارة مرحلة التوافق الداخلي والخارجي، وأن تجربته الطويلة في الحكم تجعله مناسبًا لمرحلة ما بعد الانتخابات، رغم الانتقادات التي واجهها سابقًا بشأن الانقسامات الطائفية.

إن الساحة العراقية الآن لا تبدو في مرحلة انسداد كامل، بل إنها مرحلة الفرص لشخصيات سياسية مستقلة أو وسطية ومقبولة من الجميع بقدر ما، لكن الحديث عن منصب رئيس الحكومة العراقية يجسد في هذه المرحلة أكثر من مجرد اختيار شخصية سياسية، لأنه يعكس صراع توازنات داخلية وخارجية، بين رغبة العراق في تقرير مصيره بقرارات سيادية وبين الضغوط الدولية، لاسيما من الولايات المتحدة التي تربط الدعم بالعلاقات الإستراتيجية والسياسية الإقليمية، وتبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد هوية القيادة القادمة، وما إذا كان العراق سينجح في تجاوز الانقسامات لتشكيل حكومة قادرة على مواجهة تحديات الأمن والاقتصاد وتحقيق طموحات المواطنين، أم أن الضغوط الدولية ستشكل عاملًا مؤثرًا في شكل السلطة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: