حكايات من الواقع: ابن ضال.. وأم قتلها الفراق!

2-2-2026 | 13:47
حكايات من الواقع ابن ضال وأم قتلها الفراقأرشيفية
خالد حسن النقيب

قبل أن يمتد بها العمر دهرًا عاشته حرمانًا وشوقًا للإنسان الوحيد فى حياتها والذى خرج إلى الدنيا من أحشائها كانت فتاة حالمة لا تتمنى من الدنيا غير أسباب السعادة فيها فى كنف إنسان يحبها ويتقى الله فيها وذرية صالحة وبهذا تملك الدنيا بما فيها وتحقق لها كثير مما تمنت على الله زوجا صالحا وابنا يافعا متفوق فى دراسته حتى تخرج فى الجامعة ولكنها كانت على موعد مع محنة قاسية كتبت عليها الأقدار أن تعيشها، مات الزوج والحبيب، وغادر ابنها البلاد بحثا عن مستقبله مغتربا عنها وتدثرت الأم بوحدتها تستدفئ برسائل متواترة يبعثها لها ابنها من الخارج ولكنها لا تراه .. ! 

موضوعات مقترحة

.. ومضت سنوات العمر وانقضت معها كل أسباب السعادة حتى رسائل ابنها لم تعد تأتى، تقتلها مخاوف وهواجس كثيرة ولكن قلبها يطمئنها أنه مازال على قيد الحياة ولعله يهتدى يوما أن له أما تنتظره فيأتيها . في فراشها تجلس هادئة مستكينة‏ لم تعد تصرخ ألما فجذوة المرض المشتعلة في جسدها انطفأت وخبت من شدة صبرها تروي قلبها بقراءة القرآن كل صباح حمدا وصبرا علي البلاء‏.....!‏ أتت عليها الدنيا هرما وحرقة قلب علي ابنها الذي سافر إلي أوروبا علي مركب من مراكب الهجرة غير الشرعية ولا من أحد يستر شيخوختها ويعينها على الحياة .. قبالتها أحاطني الصمت دقائق, كانت تصلي بعينيها لا تقوي علي النهوض.. مسحة البراءة تضيء وجهها, وابتسامتها الراضية تعبق الحجرة الرطبة تحت بئر السلم بعبير خاص ليس لغيرها.. أشارت إلي فاقتربت وقالت: "يا ولدي بيني وبين الموت عتبة وفايته الدنيا وماليش فيها رجاء غير أمانة هاسيبهالك, تبعتها لابني الغايب من زمان يمكن يرجع في يوم" قل له: "قلب أمك انفطر عليك واتقطع وإني استنيته كتير وما جاش زي ما قاللي" كانت كلماتها صادقة مؤلمة فهي تدرك انها النهاية, نهاية أم ثكلي يصرخ منها القلب الملتاع : اليوم أنا أرحل وابني ليس جواري .. لن يواريني الثري, ترك واجبه لأهل الخير .. أنا غير كارهة له بل راضية عنه وأريده أن يأتيني عندما يعود إلي حيث أرقد تهدأ روحي لمقدمه .. طمأنتها أني أمين علي ما أوصت فبادرتني رسالتي الأخيرة أمانة في رقبتك وقله إني مستنياه. قلت لها: ما يدريك يا أمي أنه مازال علي قيد الحياة لعله هناك في معية خالقه وهو من ينتظرك الآن فالرحلة التي أقدم عليها متهربا عبر البحر مخاطرة غير آمنة وكثيرون من أبنائنا فاضت أرواحهم غرقا في رحلات هجرة غير شرعية من هذا النوع. ولكنها قالت لي: "لو مات كان قلبي قالي.. لسه حي قلبه هو اللي مات, انعدمت فيه الحياة ونسي أمه". لفظها ابنها وتركها تموت وحيدة, منكسرة, أكل منها المرض وأشبعها ألما وحوجة للناس.. في حضرة الموت تلقيت وصية الأم العجوز وانصرفت مع حيرتي أتساءل من أين لي بابنها وكيف لي أن أبعث له برسالتها !

 

أيام مضت قضت فيها المرأة نحبها وحيدة ووريت التراب في مقبرة تابعة لأحد المساجد وبقيت كلماتها لابنها تنبض بالحياة.. أكتبها له علها تصل إليه. .. يا ولدي إن الله لم يضع أحدا في مكانة عالية بقدر الأم حتي أنه جل علاه جعل من شروط دخول الجنة رضا الأم وتبعا للتعبير النبوي الجنة تحت أقدام الأمهات فكيف لك أن تغادرها مريضة, مسنة, عاجزة, في حاجة للناس وأنت علي قيد الحياة هل طاوعك قلبك أن تفكر في السفر من دونها ؟ وإذا كنت لم تجد فرصتك في بلدك ووجدت من المبررات ما يدفعك للهجرة بحثا عن لقمة العيش فأين أنت الآن منها وقد ماتت تتألم لفراقك ؟.. لم تكن غاضبة عليك لعقوقك وهجرك لها.. تحبك وتشتاق إليك رغم قسوتك عليها.. تأهبت للقاء ربها ولكنها تركت لك موعدا تلقاك فيه عندما تأتي وتزورها في مثواها الخير. يا ولدي لا أدر إن كنت علي قيد الحياة أم فارقتها ولا أدري إن كانت هذه الكلمات المفعمة برجاء أمك يمكن لها أن تصلك أم لا, ولكني أملي في الله كبير أن تكون حيا وتقرأ ما أمنتني أمك عليه من رسالة وتصلك في أقرب وقت واعلم يا ولدي أنك لن تنال رضا الله إلا برضا أمك.. ولكل ابن ضال لا يرعي حق أمه وأبيه كتبت هذه القصة فقد قال الله تعالي في كتابه الكريم: وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا, الإسراء:24,23

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة